لعلّ المتابع للشأن الصومالي يدرك حجم الأزمة السياسية التي تشهدها العاصمة مقديشو في الآونة الأخيرة، وهو أزمة آخذة في التصاعد إلى مستوى قد ينذر بتحولها إلى أزمة أمنية ومواجهات عسكرية كارثية، قد تعيد الدولة الصومالية إلى مربع إنهيار 1991 المشؤوم، إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لاحتوائه. فلم تعد الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة السياسية مجرد تباينات طبيعية في سياق التنافس السياسي، بل أصبحت مؤشراً واضحاً على أزمة وطنية بنيوية تتجاوز حدود الصراع على السلطة، وتفتح الباب أمام احتمالات التمادي في تجدد مواجهات العنف المسلح.
هذا الاحتقان المتنامي داخل المركز السياسي يعكس خللاً عميقاً في بنية الشرعية وآليات إدارة الشأن العام. وكلما اتسعت فجوة عدم الحوار، وتلاشي الثقة بين الفاعلين السياسيين، ازدادت قدرة المشاريع الانفصالية والانقسامات الحادة أو التمردية على إيجاد موطئ قدم، في الولايات التي تشهد توترات مزمنة مثل صوماليلاند وبونتلاند وجوبالاند، أو حتى في بعض الولايات التي تُعد قريبة من الحكومة لكنها تنتظر لحظة مناسبة لإعادة تموضعها السياسي في صفوف المعارضة. فهشاشة المركز لا تبقى محصورة فيه، بل تمتد إلى الأطراف، وتعيد تشكيل موازين القوة داخل الدولة الصومالية، وتدفع بعض الفاعلين المحليين إلى إعادة النظر في علاقتهم بالإطار الفيدرالي أو المطالبة بشروط جديدة للانتماء إليه.
إن ما يجري اليوم لا يمكن التعامل معه بوصفه صراعاً سياسياً اعتيادياً بين حكومة ومعارضة، بل هو علامة على تآكل القدرة المؤسسية للدولة الصومالية على الاستمرار ككيان موحّد. فعندما يفقد المركز تماسكه، تتراجع الثقة في الدولة، وتُفتح الأبواب أمام خيارات لا تخدم وحدة الصومال ولا استقراره. وهنا تكمن خطورة اللحظة الراهنة، فالأزمة لم تعد أزمة أطراف سياسية متنافسة، بل أزمة دولة تواجه اختباراً وجودياً يتعلق بقدرتها على إنتاج توافق وطني يحفظ وحدتها ويحول دون انزلاقها نحو إعادة حلقة الإنهيار التشظي.
وتبقى الحقيقة الغائبة، أن قوة وقدرة الدولة الصومالية لا تُقاس بقوة وقدرة طرف على إقصاء منافسيه أو احتكار القرار، بل بقدرتها على بناء توافق وطني واسع يضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية. فالصومال، بحكم تركيبته القبلية والعشائرية وتعقيداته التاريخية، ليس بلداً قابلاً للإدارة بمنطق الغلبة أو الحكم الفردي. التجربة السياسية منذ الاستقلال تؤكد أن أي محاولة لفرض رؤية أحادية سرعان ما تنتهي إلى الانقسام، وأن الدولة لا تستقر إلا حين يشعر الجميع بأنهم شركاء حقيقيون في إدارة الشأن العام.
المعضلة الأساسية تكمن في أن جزءاً من النخبة السياسية ما تزال تتعامل مع السياسة باعتبارها وسيلة للوصول إلى السلطة والاحتفاظ بها، لا باعتبارها أداة لبناء الدولة، ولهذا تتكرر الأزمات نفسها مع كل دورة إنتخابية، بينما تتراجع أولويات الأمن والتنمية وإعادة بناء المؤسسات. إن غياب الرؤية الوطنية الصومالية الجامعة يجعل كل إنجاز هشاً، وكل خلاف قابلاً للتحول إلى أزمة بنيوية.
لقد أثبت التاريخ السياسي الصومالي أن إضعاف التوافق الوطني لم يؤدِّ إلا إلى مزيد من الاحتقان. فالدولة الحديثة قامت على فكرة الوحدة، وأي مشروع يتجاهل هذه الحقيقة يصطدم بتركيبة المجتمع وتعقيداته. ومن لا يقرأ دروس الماضي الصومالي جيداً يجد نفسه يعيد فقط إنتاج الأخطاء ذاتها التي دفعت الصومال إلى الانهيار في مطلع التسعينيات.
التحدي الحقيقي أمام النخبة السياسية اليوم ليس الانتصار على الخصوم، بل تقديم نموذج حكم رشيد يعزز ثقة المواطنين ويعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة. ومقديشو، بوصفها العاصمة والقلب السياسي للبلاد، مطالبة بأن تكون نموذجاً للتوافق والاستقرار، لا ساحة دائمة للصراع والاستقطاب. فنجاح العاصمة في إدارة الدولة بكفاءة وعدالة سيكون الرد الأقوى على مشاريع الانفصال والانقسامات، لأنه يثبت أن الدولة قادرة على استيعاب الجميع ضمن إطار وطني جامع.
إن استمرار الخلافات السياسية يمنح دعاة الانقسام ذرائع إضافية، ويغذي الشكوك حول قدرة الدولة على إدارة شؤونها، لذلك لم يعد التوافق الوطني خياراً سياسياً يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة وجودية للحفاظ على وحدة الصومال واستقراره. فالدول تُبنى بالمشاركة والثقة والمؤسسات، لا بالمغالبة والإقصاء. ومستقبل الصومال سيظل مرهوناً بقدرة نخبته وقياداته على إدراك هذه الحقيقة وتطبيقاتها العملية في مطلوبات الواقع الصومالي.










