مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في تطور يحمل أبعادًا تتجاوز حدود القرار المالي واللوجستي، تجد الصومال نفسها أمام مرحلة أمنية وسياسية دقيقة بعد تصاعد الجدل حول مستقبل الدعم الدولي المقدم لبعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال (أوصوم)، عقب الموقف الأمريكي الرافض لاستمرار تقديم الدعم اللوجستي الذي توفره الأمم المتحدة للمهمة. ويأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه البلاد إلى الانتقال تدريجيًا نحو مرحلة تتحمل فيها مؤسساتها الوطنية مسؤولية أكبر في إدارة ملف الأمن، بعد سنوات طويلة شكل فيها الدعم الإقليمي والدولي عنصرًا رئيسيًا في مواجهة الجماعات المسلحة وتعزيز قدرات القوات الأمنية.
ولا يتعلق مستقبل أوصوم بمجرد استمرار بعثة عسكرية أو توقفها، بل يرتبط بسؤال أوسع حول طبيعة المرحلة المقبلة في الصومال، ومدى قدرتها على تحقيق توازن بين الحاجة إلى استمرار الشراكات الدولية وبين الطموح الوطني لبناء منظومة أمنية مستقلة وقادرة على حماية البلاد. فبينما يرى اتجاه أن تقليص الاعتماد على الدعم الخارجي قد يكون فرصة لتعزيز السيادة الأمنية وتقوية المؤسسات الوطنية، يحذر اتجاه آخر من أن أي انتقال غير مدروس أو انسحاب مفاجئ قد يخلق فراغًا أمنيًا تستفيد منه الجماعات المسلحة، ويهدد المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية.
ومن هنا تبرز أهمية قراءة التطورات الأخيرة ضمن سياقها الأوسع؛ إذ إن مستقبل أوصوم لا يتحدد فقط بقرار دولة واحدة أو بقدرة جهة معينة على التمويل، وإنما يرتبط بمجموعة معقدة من العوامل السياسية والأمنية والاقتصادية، تشمل جاهزية القوات الصومالية، واستقرار العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، وقدرة المجتمع الدولي على صياغة مرحلة انتقالية مسؤولة تحفظ التقدم الذي أحرزته البلاد في مواجهة التحديات الأمنية.
ويأتي القرار الأمريكي الرافض لاستمرار الدعم اللوجستي لبعثة أوصوم في ظل تقييم متزايد داخل بعض الدوائر الدولية بأن نموذج الدعم الأمني المتبع في الصومال يحتاج إلى مراجعة شاملة، بعد أكثر من عقد من الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز الأمن وبناء مؤسسات قادرة على تولي مسؤولياتها. وترى واشنطن، وفق رؤيتها المعلنة، أن استمرار الدعم لفترة طويلة لم يؤدِ بعد إلى تحقيق التحول الأمني الكامل، خصوصًا فيما يتعلق بإضعاف حركة الشباب بصورة نهائية، وإنشاء منظومة أمنية وطنية مكتملة تستطيع العمل باستقلالية وفاعلية.
ويشير تحليل صادر عن مركز أماني أفريقيا للأبحاث إلى أن توقف الدعم الذي تقدمه الأمم المتحدة قد يجعل استمرار بعثة أوصوم بعد انتهاء ولايتها الحالية في ديسمبر 2026 أمرًا بالغ الصعوبة، موضحًا أن المهمة تعتمد بشكل كبير على منظومة الخدمات التشغيلية واللوجستية التي يوفرها مكتب دعم الأمم المتحدة في الصومال (أنصوص). ويؤكد التحليل أن هذه الخدمات لا تمثل مجرد دعم إضافي، وإنما تشكل أساسًا ضروريًا لاستمرار انتشار القوات، وقدرتها على التحرك، وتنفيذ المهام الموكلة إليها في مختلف مناطق العمليات.
ويعد مكتب دعم الأمم المتحدة في الصومال (أنصوص) أحد العناصر الحيوية التي حافظت على استمرار عمل البعثات الأفريقية في الصومال، حيث يقدم مجموعة واسعة من الخدمات تشمل توفير وسائل النقل، والإمدادات الوقودية، والدعم الغذائي، والرعاية الطبية، وخدمات الاتصالات، وصيانة المعدات، إضافة إلى الدعم الفني والإداري للقوات المشاركة. ولذلك فإن أي تقليص كبير في هذه المنظومة قد يؤدي إلى تأثيرات مباشرة على قدرة بعثة أوصوم على أداء وظائفها، خصوصًا في المناطق التي تتطلب وجودًا أمنيًا مستمرًا لمواجهة تحركات الجماعات المسلحة.
ويرى مركز أماني أفريقيا أن الموقف الأمريكي يعكس تحولًا أوسع في طبيعة المقاربة الدولية تجاه الأمن في القارة الأفريقية، حيث تتجه بعض القوى إلى التأكيد على أن الحلول المستدامة يجب أن تكون بقيادة الدول الأفريقية نفسها، مع تقديم الدعم الدولي باعتباره عاملًا مساعدًا وليس بديلًا عن الدور الوطني. وفي هذا السياق، أكد قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا أفريكوم، الجنرال ديفيد أندرسون، أن مواجهة حركة الشباب في الصومال لا يمكن أن تعتمد فقط على العمليات الجوية أو الأدوات العسكرية، بل تحتاج إلى استراتيجية شاملة تجمع بين الجوانب الأمنية والسياسية والتنموية، وتقودها الصومال ودول المنطقة.
ولا تزال التحديات المالية تمثل أحد أبرز العوامل التي تضغط على مستقبل بعثة أوصوم، إذ يشير التحليل إلى أن المهمة تواجه أزمة تمويل متزايدة في ظل محدودية الموارد المتاحة مقارنة بحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها. ووفقًا للتقديرات الواردة في التحليل، فقد بلغت الميزانية المخصصة للبعثة خلال الفترة الممتدة من يونيو 2025 إلى يوليو 2026 نحو 166.5 مليون دولار، إلا أن التمويل الفعلي لم يكن كافيًا لتغطية الاحتياجات التشغيلية، كما تحملت البعثة أعباء مالية موروثة من بعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال (أتميس)، إلى جانب خفض ميزانية مكتب دعم الأمم المتحدة في الصومال (أنصوص) بنحو 130 مليون دولار.
وتشير هذه المعطيات إلى أن مستقبل أوصوم لا يواجه تحديات سياسية فقط، بل يواجه أيضًا ضغوطًا مالية وتشغيلية قد تحد من قدرتها على الاستمرار بالشكل الحالي. ويرى محللون أن اعتماد الاتحاد الأفريقي على تمويل بديل قد يساعد في معالجة بعض الاحتياجات العاجلة، لكنه قد لا يكون حلًا طويل الأمد قادرًا على ضمان استمرار المهمة بعد نهاية عام 2026، الأمر الذي يجعل التخطيط المبكر لمرحلة انتقالية خيارًا ضروريًا لتجنب أي اضطرابات أمنية محتملة.
وفي هذا السياق، يدعو مركز أماني أفريقيا إلى وضع خطة انتقالية منظمة تشارك فيها جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكومة الصومالية، والاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، والدول المساهمة بقوات، بهدف تحديد مسار واضح للمرحلة المقبلة. ويؤكد هذا الطرح أن الانتقال من نموذج البعثات الدولية إلى نموذج تقوده المؤسسات الصومالية يجب ألا يكون انتقالًا مفاجئًا، بل عملية تدريجية تراعي الواقع الميداني، وتحافظ على المكتسبات الأمنية، وتمنح القوات الوطنية الوقت والقدرة اللازمين لتولي مسؤولياتها.
ومن السيناريوهات المطروحة في حال انتهاء مهمة أوصوم، زيادة اعتماد الصومال على الشراكات الأمنية الثنائية مع دول أخرى، ومن بينها تركيا، لتعويض جزء من النقص المحتمل في مجالات التدريب والتجهيز والدعم الفني. إلا أن مستقبل الأمن الصومالي لن يعتمد فقط على حجم الدعم الخارجي المتاح، وإنما على قدرة الدولة على تطوير مؤسساتها الأمنية، وتحقيق مزيد من التنسيق بين مختلف مكوناتها، وبناء استراتيجية وطنية طويلة الأمد تتجاوز الحلول المؤقتة.
وفي المقابل، يرى مركز أماني أفريقيا أن هذه المرحلة، رغم صعوبتها، قد تمثل فرصة لإعادة تعريف دور الاتحاد الأفريقي في الصومال، بحيث لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يتوسع ليشمل دعم المصالحة الوطنية، وتعزيز إصلاح قطاع الأمن، والمساهمة في بناء مؤسسات سياسية أكثر استقرارًا. فالتحدي الحقيقي أمام الصومال لا يتمثل فقط في مواجهة الجماعات المسلحة، وإنما في بناء دولة قادرة على إدارة أمنها وسياساتها من خلال مؤسسات قوية ومستدامة.
يقف مستقبل بعثة أوصوم عند نقطة تحول مهمة في مسار الدولة الصومالية، حيث تتقاطع اعتبارات الأمن الوطني مع التحولات في طبيعة الدعم الدولي والإقليمي. فقد أسهمت البعثات الأفريقية والشراكات الدولية خلال السنوات الماضية في دعم مسار الاستقرار ومساندة المؤسسات الأمنية الصومالية، إلا أن المرحلة المقبلة تفرض سؤالًا جوهريًا حول قدرة الصومال على الانتقال من الاعتماد الكبير على الدعم الخارجي إلى قيادة ملف أمنها الوطني بصورة أكبر.
ومهما كانت نتائج النقاشات الجارية حول مستقبل أوصوم، فإن الأولوية ستظل ضمان انتقال مسؤول يحافظ على الإنجازات التي تحققت، ويمنع أي تراجع أمني، ويدعم بناء مؤسسات وطنية أكثر قدرة وفاعلية. فالتحدي الأكبر أمام الصومال اليوم ليس فقط الحفاظ على الدعم الدولي، بل تحويل هذه المرحلة الانتقالية إلى فرصة تاريخية لبناء منظومة أمنية وطنية مستقلة، قادرة على حماية البلاد وصون استقرارها على المدى الطويل.














