تمرّ العلاقات الصومالية – السعودية بمرحلة غير مسبوقة من الفتور، بعد عقود طويلة اتسمت بالتعاون الوثيق في المجالات السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية. ولم ينشأ هذا التحول من فراغ، بل جاء نتيجة تراكمات في السياسات والمواقف تكشف عن خلل بنيوي في إدارة السياسة الخارجية الصومالية، وضعف في تقدير الأولويات الاستراتيجية، وغياب رؤية واضحة للتعامل مع المملكة العربية السعودية بوصفها إحدى أهم القوى الإقليمية المؤثرة في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي والبحر الأحمر. ومع كل خطوة غير محسوبة، كانت المسافة بين البلدين تتسع، وتتزايد التساؤلات حول قدرة مقديشو على الحفاظ على موقعها التقليدي كشريك موثوق للرياض.
لقد اتسم القرار السياسي الصومالي خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما خلال ولاية الرئيس الحالية الممتدة بين عامي 2022 و2026، بقدر واضح من الارتباك والتذبذب، الأمر الذي جعل مواقف مقديشو تبدو غير مستقرة وغير قابلة للتنبؤ. ولم يكن هذا الارتباك مجرد خلل بروتوكولي أو سوء إدارة ظرفي، بل مسّ جوهر الثقة والموثوقية في السياسة الخارجية الصومالية، وأعطى انطباعًا بأن الدولة غير قادرة على الالتزام بتفاهمات طويلة الأمد أو إدارة علاقاتها الخارجية وفق رؤية استراتيجية متماسكة. وفي الوقت ذاته، بدا أن بعض دوائر صنع القرار الصومالية قد أساءت تقدير الوزن الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية، وتعاملت معها بوصفها طرفًا يمكن موازنة علاقاته بقوى إقليمية أخرى، دون إدراك كافٍ لحجم تأثير الرياض في ملفات الأمن الإقليمي والاستثمار ودعم الاستقرار السياسي في المنطقة، وهو ما انعكس سلبًا على طبيعة العلاقة الثنائية، وأدى إلى تراجع مستوى الثقة المتبادلة.
وفي خضم هذا الارتباك السياسي والدبلوماسي، برزت أزمة أخرى تتعلق بأداء السفير الصومالي في الرياض، إذ تتداول بعض الأوساط السياسية والإعلامية روايات تشير إلى أنه أغلق أبواب التعاون، وأدار ظهره لفرص الانخراط الإيجابي، بل وُجهت إليه اتهامات بأنه يخدم مصالح دول ثالثة على حساب المصالح الوطنية الصومالية. وهذه الاتهامات، سواء كانت دقيقة أم مبالغًا فيها، تعكس حجم الجدل الذي يحيط بإدارة العلاقات الثنائية، وتكشف عن أزمة ثقة داخلية قبل أن تكون أزمة بين دولتين. كما تشير إلى خلل واضح في منظومة اتخاذ القرار الدبلوماسي، وغياب الرقابة المهنية على أداء البعثات الخارجية، الأمر الذي يفاقم هشاشة الموقف الصومالي ويضعف قدرته على إدارة علاقاته مع الشركاء الإقليميين بكفاءة ومسؤولية.
وفي الوقت نفسه كانت الرياض تعيد ترتيب أولوياتها الإقليمية، فبرز تنامي التنسيق السعودي مع جيبوتي في عدد من الملفات، مقابل تراجع مستوى الانخراط المباشر مع مقديشو. ولا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن تراجع الثقة في الأداء الصومالي، كما يعكس إعادة تشكيل خريطة النفوذ الإقليمي في القرن الإفريقي. فالسعودية، التي لطالما نظرت إلى الصومال بوصفها شريكًا محوريًا، تبدو اليوم أكثر ميلًا إلى التعامل مع أطراف أخرى تتسم بقدر أكبر من الاستقرار ووضوح المواقف، وهو ما يثير سؤالًا جوهريًا حول قدرة الدبلوماسية الصومالية على الحفاظ على موقعها التقليدي ضمن معادلة الشراكات الإقليمية المتغيرة.
وتتعمق الأزمة أكثر عند النظر إلى الملفات العملية الحساسة، وفي مقدمتها ملف الحج والعمرة. فقد وُجهت اتهامات إلى وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بسوء استخدام العائدات المالية المرتبطة بالحجاج الصوماليين، وممارسة الفساد تحت غطاء ديني، وهو ما أثار استياءً واسعًا لدى الرياض، وأضر بصورة الصومال الرسمية. وقد بلغ الأمر حدَّ توجيه الدعوة إلى الوزير للمساءلة أمام مجلس الشيوخ، في خطوة تعكس حجم القلق الداخلي من تداعيات هذا الملف على العلاقات الثنائية. وهذا النوع من الأخطاء لا يقتصر تأثيره على الجانب الإداري، بل يمتد إلى المساس بعمق الثقة السياسية بين البلدين.
وتتداخل هذه الأخطاء مع تباينات واضحة في المواقف الإقليمية، سواء في العلاقة مع الإمارات العربية المتحدة، أو ملفات أمن البحر الأحمر، أو طريقة التعامل مع إثيوبيا، أو الموقف من الأزمة السودانية. ففي كل هذه الملفات، بدت مقديشو في بعض الأحيان أقرب إلى رؤى لا تنسجم مع التوجهات السعودية، ما عزز الانطباع بوجود اختلافات جوهرية في فهم طبيعة الأمن الإقليمي. ورغم أن هذه التباينات لا ترقى إلى مستوى القطيعة، فإنها أسهمت في اتساع الفجوة السياسية، وأضعفت قدرة الصومال على الحفاظ على موقعها كشريك استراتيجي للرياض.
ورغم كل هذه المؤشرات، فإن الحديث عن وصول العلاقات إلى «مرحلة ما قبل الانفجار» يظل توصيفًا سياسيًا يحتاج إلى أدلة عملية. فالقنوات الرسمية ما زالت مفتوحة، والمصالح المشتركة بين البلدين أكبر من أن تسمح بقطيعة كاملة. ومع ذلك، فإن استمرار الأخطاء قد يدفع العلاقة نحو مزيد من التباعد، خاصة في ظل حالة الاستقطاب الإقليمي وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. ومن هنا تبدو الحاجة مُلحّة إلى إجراء مراجعة شاملة للسياسة الخارجية الصومالية، تقوم على إعادة ترتيب الأولويات، وتعزيز الاحترافية الدبلوماسية، وتحسين إدارة الملفات الحساسة، وبناء الثقة مع الشركاء الإقليميين، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية.
ويبقى السؤال المركزي المطروح في نهاية هذا المسار: هل تمتلك مقديشو الإرادة السياسية والدبلوماسية لإعادة صياغة علاقتها مع الرياض على أسس استراتيجية جديدة، أم أن استمرار أخطاء تقدير الموقف سيؤدي إلى اتساع الفجوة بين البلدين، بما ينعكس سلبًا على المصالح الصومالية في محيطها العربي والإقليمي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل العلاقة بين البلدين، وستكشف ما إذا كانت الصومال قادرة على استعادة مكانتها كشريك موثوق، أم أنها ستواصل السير في مسار يهدد إحدى أهم علاقاتها الإقليمية.











