كيسمايو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في تطور سياسي جديد يعكس استمرار حالة التوتر داخل المشهد الصومالي، تصاعدت حدة الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات الأعضاء، بعد أن وجهت إدارة جوبالاند اتهامات مباشرة إلى مقديشو، قالت فيها إن الحكومة الفيدرالية نقلت ضغوطها السياسية نحو بونتلاند عقب فشلها، بحسب وصفها، في تحقيق أهدافها السابقة داخل جوبالاند. وتأتي هذه التصريحات في وقت تمر فيه البلاد بمرحلة سياسية دقيقة تتداخل فيها ملفات بناء الدولة، وإعادة ترتيب العلاقة بين المركز والأقاليم، إلى جانب التحديات الأمنية المستمرة التي تتطلب قدرًا عاليًا من التنسيق بين مختلف مؤسسات الحكم.
وترى إدارة جوبالاند أن استمرار الخلافات السياسية بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء لا يخدم مصالح الدولة، داعية إلى اعتماد الحوار والتفاهم كمسار أساسي لحل القضايا العالقة بدلًا من استخدام أدوات الضغط السياسي أو الدخول في مواجهات قد تزيد من حالة الانقسام. وأكدت أن استقرار الصومال يرتبط بوجود علاقة متوازنة بين الحكومة المركزية والإدارات الإقليمية تقوم على الاحترام المتبادل والالتزام بالإطار الدستوري.
وقال وزير الإعلام والثقافة والسياحة في حكومة جوبالاند، عبدالفتاح محمد مختار، في بيان نشره أمس الأربعاء، إن الحكومة الفيدرالية لم تتمكن من تحقيق ما وصفها بأهداف سياسية تجاه جوبالاند، مشيرًا إلى أن إدارة الولاية وسكانها واجهوا، بحسب تعبيره، محاولات للتأثير على شؤونها الداخلية. وأضاف أن جوبالاند حافظت على موقفها السياسي ومؤسساتها الإدارية في مواجهة ما اعتبره تدخلات تهدف إلى تغيير طبيعة العلاقة بين الطرفين.
وأوضح الوزير أن المرحلة الحالية تشهد، وفق رؤيته، انتقال التركيز السياسي من جوبالاند إلى بونتلاند، معتبرًا أن الحكومة الفيدرالية باتت تمارس ضغوطًا سياسية تجاه الإدارة الواقعة في شمال شرق البلاد. وأعرب عن اعتقاده بأن قيادة بونتلاند وسكانها يمتلكون القدرة على الدفاع عن مصالحهم ومواجهة أي خطوات يرون أنها تمس أمنهم أو استقرارهم أو طبيعة نظامهم السياسي والإداري.
وأكد عبدالفتاح محمد مختار أن سكان وحكومة بونتلاند “سيعارضون بشكل قوي أي محاولة للإضرار بأمنهم واستقرارهم ونظام حكمهم”، مشددًا على ضرورة احترام خصوصية الولايات الأعضاء ضمن النظام الفيدرالي الصومالي. وأضاف أن إدارة الخلافات السياسية يجب أن تتم عبر المؤسسات الدستورية والحوار الوطني، وليس من خلال التصعيد أو القرارات التي قد تؤدي إلى مزيد من التوتر بين مكونات الدولة.
وفي رسالة سياسية موجهة إلى رئيس الجمهورية الدكتور حسن شيخ محمود، أكد وزير إعلام جوبالاند أن قيادة الدولة تحتاج إلى نهج سياسي يقوم على الحوار والمساءلة والرؤية بعيدة المدى، مشيرًا إلى أن إدارة الملفات الوطنية المعقدة تتطلب إشراك مختلف الأطراف بدلًا من اعتماد القرارات الأحادية. وحذر من أن أي إجراءات لا تستند إلى توافق سياسي واسع قد تترك تداعيات طويلة الأمد على طبيعة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء.
ولم تصدر حتى الآن أي تصريحات رسمية من الحكومة الفيدرالية الصومالية للرد على الاتهامات التي أطلقتها إدارة جوبالاند، فيما يأتي هذا التصعيد في ظل استمرار الخلافات حول عدد من الملفات السياسية الجوهرية، من بينها مراجعة الدستور، وتوزيع الصلاحيات بين المركز والأقاليم، وآليات إدارة الانتخابات، ومستقبل النظام الفيدرالي في البلاد.
ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تأتي ضمن سياق أوسع من المنافسة السياسية بين مؤسسات الحكم المختلفة في الصومال، حيث لا تزال مسألة تحديد حدود العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء تمثل واحدة من أكثر القضايا حساسية منذ تأسيس النظام الفيدرالي. ويشيرون إلى أن استمرار الخلافات دون حلول سياسية قد يؤثر على قدرة الدولة على بناء موقف موحد في مواجهة التحديات الوطنية، خصوصًا في الملفات الأمنية والتنموية.
كما يؤكد محللون أن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة تنشيط الحوار السياسي بين مقديشو والولايات الإقليمية، بهدف الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن الصلاحيات والمسؤوليات، وتعزيز التعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك. ويعتبرون أن قوة النظام الفيدرالي لا تكمن في غياب الخلافات، وإنما في القدرة على إدارتها عبر المؤسسات والقوانين بما يحفظ وحدة الدولة ويعزز الاستقرار.
وفي ظل استمرار الحرب ضد حركة الشباب، والتحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد، يرى مراقبون أن توحيد الجهود بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء يمثل ضرورة وطنية، إذ إن أي تصعيد سياسي طويل الأمد قد يستهلك طاقات الدولة ويؤثر على أولوياتها الأساسية المتعلقة بالأمن والتنمية وترسيخ مؤسسات الحكم.
تعود جذور الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات الأعضاء إلى طبيعة النظام الفيدرالي الذي تأسس في الصومال بعد انهيار الدولة المركزية عام 1991، حيث لا تزال عملية تحديد العلاقة بين المركز والأقاليم تشهد نقاشات سياسية وقانونية مستمرة. ومنذ تشكيل الولايات الفيدرالية، برزت خلافات متكررة حول حدود الصلاحيات، وإدارة الانتخابات، والملفات الأمنية والسيادية، ما جعل العلاقة بين مقديشو وبعض الإدارات الإقليمية تمر بمراحل متقلبة بين الشراكة والتوتر. وتعد جوبالاند وبونتلاند من أكثر الولايات تأثيرًا في المشهد السياسي الصومالي، نظرًا لموقعهما الجغرافي وأهميتهما الأمنية والسياسية، الأمر الذي يجعل طبيعة علاقتهما مع الحكومة الفيدرالية عاملًا مؤثرًا في مستقبل الاستقرار السياسي وبناء دولة اتحادية أكثر تماسكًا.














