تمر الذكرى السنوية لرحيل العلّامة الشيخ عثمان حدغ، رحمه الله، فتتجدد مشاعر الوفاء في القلوب لعالمٍ جليل، ومربٍّ فاضل، وداعيةٍ حكيم، كرّس حياته لخدمة الإسلام، وتعليم القرآن الكريم، ونشر العلوم الشرعية، وتربية الأجيال على الإيمان والاعتدال والوسطية وحسن الخلق.
ولم تكن مكانة الشيخ الراحل محصورة في علمه الغزير أو أثره الدعوي فحسب، بل امتد أثره إلى حياة من عرفوه عن قرب، ومن نهلوا من توجيهاته الفكرية والروحية وتأثروا بسلوكه الرفيع. وقد كان لي شرف القرب منه، والاستفادة من علمه وتربيته، والاطلاع على ما تميّز به من صفاء القلب، وصدق النية، وحكمة الكلمة، ولين الجانب. فقد كان، رحمه الله، نموذجًا للعالم الرباني الذي يجمع بين الرسوخ العلمي والتواضع الإنساني، وبين قوة الحجة ورحابة الصدر، وبين الالتزام بالمنهج الشرعي والقدرة على مخاطبة الناس بما يصلح قلوبهم ويهذب سلوكهم.
لقد ترك الشيخ عثمان حدغ في نفسي أثرًا لا يُمحى؛ أثرَ المعلّم الذي لا يكتفي بالشرح، بل يفتح أمام طلابه أبواب الفهم، ويهديهم إلى مكامن الحكمة، ويغرس فيهم قيمة العمل بالعلم، ويذكّرهم دائمًا بأن العلم رسالة ومسؤولية قبل أن يكون مكانةً أو لقبًا. وما زلت أستعيد مجالسه، وكلماته، ونصائحه التي حملت روحًا تربويةً صادقة، وتوجّهًا إصلاحيًا عميقًا، ورؤيةً شرعيةً متزنة في زمن كثرت فيه الفتن واضطربت فيه الموازين.
وفي هذه الذكرى، نستحضر سيرة رجلٍ عاش لله، وعمل لله، وعلّم لله، وترك إرثًا علميًا وتربويًا سيظل حاضرًا في ذاكرة طلابه ومحبيه، وفي مساجد العلم التي عمرها، وفي النفوس التي صقلها، وفي الأجيال التي ربّاها على الإيمان والوسطية والاستقامة.
كان الشيخ عثمان حدغ من أبرز علماء الصومال في العصر الحديث، وقد جمع بين رسوخ العلم، وسمو الأخلاق، والزهد، والتواضع، والحكمة في الدعوة. ولم يكن علمه حبيس حلقات الدرس، بل امتد أثره إلى مختلف فئات المجتمع، حيث أسهم في إصلاح ذات البين، وتوجيه الناس، وغرس قيم التسامح، والمحبة، والتعايش، والتمسك بثوابت الدين بعيدًا عن الغلو والتطرف.
وعلى مدى عقود، خرّج الشيخ أجيالًا متعاقبة من العلماء، والأئمة، والدعاة، وحفظة القرآن الكريم، الذين حملوا رسالته العلمية والدعوية إلى مختلف مناطق الصومال وخارجها. وظلت مجالسه العلمية مقصدًا لطلاب العلم، لما عُرف عنه من سعة الاطلاع، وقوة الحجة، وحسن البيان، والحرص على تربية طلابه قبل تعليمهم.
لقد مثّل الشيخ عثمان حدغ امتدادًا للمدرسة العلمية الصومالية الأصيلة، التي جمعت بين الفقه والتزكية، وبين العلم والعمل، فكان نموذجًا للعالم الرباني الذي عاش للناس، ولم يطلب بعلمه جاهًا ولا منصبًا، وإنما ابتغى وجه الله وخدمة دينه وأمته.
إن رحيل العلماء ثلمة في الأمة، كما جاء في الحديث الشريف: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء». ومع ذلك، يبقى العلماء أحياءً بما خلفوه من علمٍ نافع، وتلاميذ صالحين، وآثار مباركة، مصداقًا لقول النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
وفي هذه الذكرى، نستحضر سيرة الشيخ العطرة، ونستلهم منها معاني الإخلاص، والصبر، والثبات، وخدمة الدين، وندعو الله تعالى أن يجعل ما قدمه من علم وتعليم ودعوة في ميزان حسناته، وأن يرفع درجاته في عليين، وأن يبارك في تلاميذه ومحبيه، وأن يهيئ للأمة من يحملون رسالته ويواصلون طريقه في نشر العلم والخير والإصلاح.
وفي هذا السياق، حمل راية هذه المدرسة العلمية والدعوية المشهورة في ربوع البلاد، بعد رحيل العارف بالله سيدي العلّامة المربي الشيخ عثمان حدغ، خليفته الشيخ عبد الفتاح شيخ أبو بكر شيخ أحمد شيخ داود، الذي واصل المسيرة بثبات وإخلاص، محافظًا على النهج الذي أسسه شيوخه آل الشيخ داؤود علسو في التعليم والتربية والإصلاح.
ومن يتأمل سيرته يدرك أنه استوعب وصية المربين: «إذا أردت القبول فابدأ بنفسك؛ تزكيةً وتقوىً واستقامةً»، فجعل إصلاح النفس أساسًا لإصلاح الآخرين، وقدم القدوة قبل الكلمة. وشهد له العلماء وطلاب العلم وعامة الناس بالاجتهاد في الورع، وحسن السمت، والتواضع، والحرص على الإخلاص، حتى غدا امتدادًا أمينًا للمدرسة العلمية التي تربي على العلم المقرون بالعمل، والفقه المصحوب بالأخلاق، والدعوة القائمة على الحكمة والرحمة، فاستمرت الرسالة، وتجدد العطاء، وبقي الأثر المبارك حاضرًا في نفوس تلاميذه ومحبيه.
رحم الله العلّامة الشيخ عثمان حدغ رحمةً واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعل ذكراه حافزًا للاقتداء بسيرته، ومواصلة نهجه في العلم والعمل والدعوة.














