مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في خضم الجدل السياسي المتصاعد حول مستقبل العملية السياسية في الصومال، أعلن حزب السلام والحياة، الذي يتزعمه الرئيس الصومالي السابق محمد عبدالله محمد (فرماجو)، رفضه للمقترحات الداعية إلى إعادة البلاد إلى نظام المرحلة الانتقالية الذي انتهى رسميًا عام 2012، معتبرًا أن مثل هذه الدعوات تمثل تراجعًا عن المسار الدستوري والمؤسسي الذي سلكته الدولة خلال السنوات الماضية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعقيدات السياسية في وقت تواجه فيه الصومال تحديات أمنية ودستورية واقتصادية متعددة.
وجاء موقف الحزب عقب الدعوة التي أطلقها مجلس المستقبل، الذي يضم قيادات من ولايتي بونتلاند وجوبالاند وعددًا من الشخصيات السياسية المعارضة في مقديشو، إلى المجتمع الدولي لإعادة الصومال إلى إطار انتقالي جديد، وتشكيل هيئة مؤقتة تتولى إدارة شؤون البلاد. وكان المجلس قد قدم هذا المقترح في مذكرة رسمية وجهها إلى المجتمع الدولي قبل الاجتماع المخصص لمناقشة القضايا المتعلقة بالصومال، والمقرر عقده في العاصمة الأوغندية كمبالا يوم 31 يوليو 2026.
وقال وزير الخارجية الصومالي الأسبق محمد عبدالرزاق، وهو أحد قيادات حزب السلام والحياة، إن الحزب لا يتفق مع رؤية العودة إلى المرحلة الانتقالية، مؤكدًا أن طرح هذا الخيار يمثل، بحسب وصفه، فكرة لم تخضع لدراسة سياسية ودستورية عميقة. وأضاف أن معالجة الخلافات السياسية الراهنة يجب أن تتم من خلال الحوار الوطني، وتعزيز المؤسسات القائمة، والعمل على تطوير النظام السياسي بدلًا من العودة إلى ترتيبات مؤقتة تجاوزتها البلاد منذ أكثر من أربعة عشر عامًا.
وأوضح عبدالرزاق أن انتهاء المرحلة الانتقالية عام 2012 شكل نقطة تحول مهمة في تاريخ الدولة الصومالية، حيث انتقلت البلاد إلى مرحلة بناء مؤسسات اتحادية دائمة واعتماد إطار دستوري جديد ينظم إدارة الحكم والعلاقة بين مؤسسات الدولة. ورأى أن العودة إلى نظام انتقالي جديد قد تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الوطنية وإرباك المسار السياسي، بدلًا من تقديم حلول عملية للأزمات القائمة.
كما اعتبر المسؤول السابق أن الدعوة إلى العودة للمرحلة الانتقالية تحمل تداعيات سياسية كبيرة، مشيرًا إلى أنها تمثل، من وجهة نظره، انتقادًا للمسار الذي تأسس بعد عام 2012، وللمؤسسات التي نشأت عقب انتهاء المرحلة الانتقالية. وأضاف أن الرئيس الصومالي الحالي حسن شيخ محمود انتُخب للمرة الأولى عام 2012 بعد انتهاء المرحلة الانتقالية، ثم أعيد انتخابه عام 2022، وهو ما يجعل الدعوات الحالية موضع نقاش واسع داخل الساحة السياسية بشأن مستقبل النظام القائم.
في المقابل، يرى مجلس المستقبل أن الأوضاع السياسية الحالية تتطلب ترتيبات جديدة تضمن توافقًا وطنيًا أوسع، معتبرًا أن الخلافات المرتبطة بالنظام الانتخابي، ومراجعة الدستور، وتوزيع الصلاحيات بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، تستوجب معالجة شاملة عبر إطار سياسي يحظى بقبول مختلف الأطراف، ويؤدي إلى بناء عملية سياسية أكثر استقرارًا.
ويأتي هذا الخلاف في وقت تشهد فيه الساحة السياسية الصومالية تصاعدًا في التباينات بين الحكومة الفيدرالية وعدد من القوى المعارضة والإدارات الإقليمية، خاصة حول مستقبل النظام الانتخابي، وآليات الإصلاح الدستوري، وطبيعة العلاقة بين المركز والولايات. وبينما تؤكد الحكومة الفيدرالية تمسكها بمواصلة الإصلاحات السياسية والانتقال نحو نموذج انتخابي جديد، تطالب قوى معارضة بحوار سياسي واسع يسبق أي تغييرات جوهرية في قواعد العملية السياسية.
ويرى مراقبون أن استمرار الخلافات السياسية دون التوصل إلى أرضية مشتركة قد يزيد من حالة الاستقطاب الداخلي، في وقت تحتاج فيه الصومال إلى توحيد المواقف الوطنية لمواجهة التحديات الأمنية، وتعزيز مؤسسات الدولة، ودعم جهود التنمية. ويؤكد هؤلاء أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة النخب السياسية على تجاوز الخلافات، والاتفاق على مسار سياسي يحافظ على استقرار البلاد ويعزز شرعية مؤسساتها.
الجدير بالذكر أن الصومال أنهت رسميًا المرحلة الانتقالية في أغسطس 2012 مع اعتماد الدستور المؤقت وتشكيل أول مؤسسات اتحادية دائمة بعد أكثر من عقدين من انهيار الدولة المركزية عام 1991. ومنذ ذلك التاريخ، واصلت البلاد جهودها لإعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ النظام الفيدرالي، إلا أن قضايا استكمال الدستور، وتحديد العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، وتقاسم الصلاحيات، وإصلاح النظام الانتخابي، ظلت من أبرز الملفات التي أثارت نقاشات وخلافات سياسية متواصلة. وخلال السنوات الماضية، شهدت الصومال مراحل مختلفة من التعاون والتوتر بين الحكومة المركزية والإدارات الإقليمية، حيث برزت الحاجة إلى حوار وطني شامل يضمن التوازن بين سلطة الدولة الاتحادية وحقوق الولايات الأعضاء. ويؤكد مراقبون أن الوصول إلى توافق سياسي واسع حول مستقبل الحكم والنظام الانتخابي يمثل عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الاستقرار، وتعزيز مؤسسات الدولة، ودفع مسار التحول الديمقراطي في الصومال نحو مرحلة أكثر رسوخًا واستدامة.














