مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في لهجة تعكس رغبة الحكومة الصومالية في إعادة صياغة طبيعة علاقتها مع الشركاء الدوليين، وجه رئيس الوزراء حمزة عبدي بري رسالة حازمة إلى ممثلي المجتمع الدولي المقيمين في مقديشو، داعيًا إلى مراجعة طريقة تعاملهم مع الحكومة الفيدرالية، ومؤكدًا أن الصومال تجاوز، بحسب تقييمه، عددًا من المراحل الصعبة التي طبعت مسيرته السياسية خلال السنوات الماضية.
وجاءت تصريحات رئيس الوزراء خلال كلمة ألقاها أمس الثلاثاء في المؤتمر الوطني للاستثمار في الزراعة والنظام الغذائي الصومالي «نافيس 2026»، حيث شدد على أن البلاد لم تعد في المرحلة التي كانت عليها خلال سنوات الحكم الانتقالي، وأن مؤسسات الدولة حققت تقدمًا في عدد من المجالات، من بينها الأمن، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز مؤسسات الحكومة. واعتبر أن استمرار التعامل مع الصومال وفق مقاربة المرحلة الانتقالية لا يعكس، من وجهة نظر الحكومة، التحولات التي شهدتها البلاد.
دعوة إلى تغيير النهج الدولي
ودعا بري ممثلي المجتمع الدولي والجهات المانحة إلى إعادة النظر في أسلوب تعاملهم مع الحكومة الصومالية، معتبرًا أن التحدي لم يعد مرتبطًا بالصومال وحده، وإنما يحتاج أيضًا إلى مراجعة من جانب الجهات الدولية التي ما زالت تتعامل مع البلاد وفق تصورات قديمة.
وقال رئيس الوزراء إن المجتمع الدولي والجهات المانحة بحاجة إلى تغيير نهجها، مضيفًا أن بعض الأطراف لا تزال تتعامل مع «الصومال الذي عرفته خلال المرحلة الانتقالية»، رغم ما قال إنه تحقق من إنجازات ملموسة في مجالات الأمن والبنية التحتية وبناء مؤسسات الدولة. وتحمل هذه التصريحات رسالة سياسية واضحة بشأن رغبة مقديشو في أن تقوم علاقتها مع المجتمع الدولي على شراكة أكثر توازنًا، مع مساحة أوسع للقرار الوطني.
خلافات حول الانتخابات والدستور
وتأتي تصريحات بري في وقت تشهد فيه الساحة السياسية الصومالية خلافات مستمرة بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة بشأن مستقبل العملية السياسية، ولا سيما القضايا المرتبطة بالانتخابات والتعديلات الدستورية، وهي ملفات تحظى باهتمام ومتابعة من جانب ممثلي المجتمع الدولي في مقديشو.
وتضغط أطراف دولية على الحكومة والمعارضة من أجل التوصل إلى تفاهم سياسي واسع يتيح المضي نحو انتخابات تحظى بقبول الأطراف الرئيسية، في وقت تتواصل فيه اتصالات ومشاورات سياسية تهدف إلى تقريب وجهات النظر وإنهاء الخلافات التي طال أمدها. ويظل التوصل إلى صيغة توافقية بشأن إدارة المرحلة الانتخابية المقبلة أحد أبرز الملفات المطروحة على الساحة السياسية.
الحكومة تتمسك بإنجازاتها
وفي المقابل، تحاول الحكومة الفيدرالية إبراز ما تعتبره تقدمًا في بناء مؤسسات الدولة وتعزيز القدرات الأمنية وتحسين البنية التحتية، باعتبار ذلك أساسًا لإعادة تعريف طبيعة العلاقة مع الشركاء الدوليين. وترى مقديشو أن تطور مؤسسات الدولة ينبغي أن يقابله انتقال تدريجي في طبيعة الدعم الدولي من نمط الإدارة والمرافقة المكثفة إلى شراكة تقوم بصورة أكبر على دعم المؤسسات الوطنية وتمكينها.
ويأتي هذا الطرح في وقت لا تزال فيه البلاد بحاجة إلى دعم دولي واسع في مجالات الأمن والتنمية والمساعدات الإنسانية وبناء القدرات، ما يجعل العلاقة بين الحكومة وشركائها الدوليين قائمة على مصالح متبادلة، لكنها في الوقت نفسه عرضة للتباين بشأن الأولويات السياسية وطريقة إدارة المرحلة الانتقالية نحو نظام سياسي أكثر استقرارًا.
مساعٍ لاحتواء الخلاف السياسي
وتشير التطورات الأخيرة إلى استمرار المساعي الرامية إلى تقريب مواقف الحكومة والمعارضة، في ظل إدراك متزايد بأن استمرار الخلاف بشأن الانتخابات والدستور يمكن أن ينعكس على الاستقرار السياسي ويعقد جهود بناء مؤسسات الدولة. وتدور اتصالات سياسية خلف الكواليس بهدف الوصول إلى تفاهمات تضمن مشاركة أوسع في العملية السياسية وتضع إطارًا واضحًا للمرحلة المقبلة.
وتزداد أهمية هذه التفاهمات مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المقبلة، إذ إن غياب اتفاق واسع بشأن قواعد المنافسة السياسية والانتخابية قد يفتح المجال أمام مزيد من الاستقطاب بين الأطراف، بينما ترى الحكومة أن تحقيق تقدم في بناء الدولة يتطلب بيئة سياسية أكثر استقرارًا وتوافقًا.
اختبار جديد للعلاقة مع الشركاء
وتضع تصريحات رئيس الوزراء العلاقة بين مقديشو والمجتمع الدولي أمام اختبار جديد، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تأكيد استقلالية القرار الوطني، بينما يواصل الشركاء الدوليون متابعة الملفات السياسية والأمنية والإنسانية ذات الصلة باستقرار الصومال. ويبدو أن المرحلة المقبلة ستتطلب موازنة دقيقة بين تمسك الحكومة بحقها في تحديد أولوياتها الوطنية وبين استمرار التعاون الدولي الذي ما زال يشكل عنصرًا مهمًا في دعم مسار الدولة الصومالية.
جدير بالذكر أن العلاقة بين الصومال والمجتمع الدولي شهدت خلال السنوات الماضية تطورًا تدريجيًا من مرحلة ركزت بصورة كبيرة على دعم الانتقال السياسي وبناء المؤسسات إلى مرحلة أوسع تتجه فيها الحكومة إلى المطالبة بملكية أكبر للقرار الوطني. ومع استمرار الدعم الدولي في قطاعات الأمن والتنمية والعمل الإنساني، تبرز الحاجة إلى بناء شراكة أكثر وضوحًا تقوم على احترام الأولويات الوطنية وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة، بالتوازي مع معالجة الخلافات السياسية الداخلية عبر الحوار والتوافق، بما يتيح للصومال الانتقال نحو مرحلة أكثر استقرارًا في إدارة شؤونه السياسية والتنموية.














