مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
تواجه الصومال مؤشرات مناخية تستدعي رفع مستوى الاستعداد للموسم المطري المقبل، مع توقعات بارتفاع احتمالات هطول أمطار غزيرة خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2026، بالتزامن مع استمرار تطور ظاهرة «إلنينيو» وظهور مؤشرات مرتبطة بمؤشر المحيط الهندي ثنائي القطب. وتأتي هذه المعطيات في وقت لا تزال فيه البلاد تتعامل مع آثار أزمات مناخية متعاقبة، بما فيها الجفاف والسيول والنزوح، ما يجعل التنبؤ المبكر والاستعداد الوقائي أكثر أهمية.
وتشير التوقعات الإقليمية إلى احتمال تسجيل أمطار أعلى من المعدلات المعتادة في أجزاء من جنوب إثيوبيا ووسط وجنوب الصومال وشمال شرق كينيا خلال الموسم المقبل. وقد يؤدي ارتفاع الهطول، بحسب كمياته وتوزيعه وتوقيته، إلى زيادة تدفق المياه في الأودية والمجاري الطبيعية وارتفاع مناسيب الأنهار، مع تفاوت التأثير بين المناطق تبعاً لطبيعتها الجغرافية وقدرتها على تصريف المياه.
وتبرز الصومال ضمن المناطق التي تستدعي متابعة دقيقة لهذه التطورات، نظراً لاعتماد أعداد كبيرة من السكان على الزراعة والرعي، إلى جانب وجود تجمعات سكانية ومواقع للنازحين في مناطق معرضة للسيول أو قريبة من مجاري المياه. وقد تنعكس الأمطار الغزيرة على الإنتاج الزراعي والثروة الحيوانية، كما يمكن أن تؤثر في الطرق والجسور والأسواق والمرافق الصحية وحركة النقل، الأمر الذي قد يزيد الاحتياجات في المناطق المتضررة.
وتتضمن تقديرات الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر ثلاثة سيناريوهات متفاوتة وفق شدة الهطول والظروف المصاحبة. ووفق المعطيات الواردة، قد يؤدي السيناريو الأقل إلى نزوح نحو 408 آلاف شخص وتأثر قرابة 1.8 مليون آخرين، بينما قد يرتفع العدد في السيناريو المتوسط إلى نحو 874 ألف نازح ونحو 2.9 مليون شخص متأثر. وفي السيناريو الأشد، قد يصل عدد النازحين إلى نحو 1.8 مليون شخص، فيما قد يبلغ عدد المتأثرين نحو 4.8 مليون. وتظل هذه الأرقام تقديرات مبنية على سيناريوهات مناخية مختلفة، ولا تمثل أعداداً فعلية أو حصيلة مؤكدة مسبقاً.
وتتركز الحاجة إلى الاستعداد بصورة خاصة في المناطق المحاذية لنهري جوبا وشبيلي، إلى جانب المناطق المنخفضة ومجاري السيول، حيث قد يؤدي الهطول الكثيف أو ارتفاع مناسيب المياه إلى التأثير في السكان وسبل كسب العيش. وتمتد القطاعات الحساسة إلى الزراعة والثروة الحيوانية والنقل والتجارة والخدمات الصحية، فيما قد تواجه مواقع النازحين تحديات إضافية تتعلق بسلامة المساكن واستمرارية الخدمات والوصول الإنساني.
وتعيد هذه المؤشرات إلى الواجهة تجربة عام 2023، عندما شهدت الصومال ومناطق أخرى من القرن الأفريقي أمطاراً غزيرة وسيولاً واسعة أدت إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان وأضرار في عدد من المناطق. غير أن الظروف المناخية تختلف بين موسم وآخر، ولا يعني وجود «إلنينيو» بالضرورة تكرار حجم التأثير الذي شهدته البلاد آنذاك، إذ يرتبط مستوى التداعيات الفعلية بكمية الأمطار وتوزيعها الزمني والجغرافي، إلى جانب قدرة المجتمعات والمؤسسات على الاستجابة.
وتضع التوقعات الحالية تعزيز الاستعداد المبكر في مقدمة الإجراءات الوقائية، من خلال تطوير أنظمة الإنذار المبكر، ومراقبة مستويات الأنهار، وتنظيف قنوات ومسارات تصريف المياه، وتحديد مناطق الإجلاء ومواقع الاستضافة، وحماية المنشآت الحيوية، ورفع جاهزية المواد الغذائية والأدوية والخدمات الصحية. كما تبرز أهمية التنسيق بين السلطات الحكومية والجهات الإنسانية والمجتمعات المحلية لضمان وصول التحذيرات في الوقت المناسب وتحويل المعلومات المناخية إلى إجراءات عملية قبل تفاقم أي حالة طارئة.
الجدير بالإشارة إلى أن ظاهرة «إلنينيو» تمثل أحد العوامل المناخية التي يمكن أن تؤثر في أنماط الهطول ودرجات الحرارة في مناطق مختلفة من العالم، إلا أن ظهورها لا يعني بصورة تلقائية وقوع فيضانات واسعة أو نزوح جماعي. وتكمن أهمية التوقعات الموسمية في منح الجهات المعنية وقتاً للاستعداد وفق السيناريوهات المحتملة وتوجيه الموارد نحو المناطق الأكثر عرضة للتأثر. وفي الصومال، حيث تتقاطع التقلبات المناخية مع تحديات النزوح وسبل العيش والبنية الأساسية، يمكن لتعزيز الإنذار المبكر والاستجابة الوقائية أن يسهم في حماية السكان وتقليل الخسائر ودعم قدرة المجتمعات على التعامل مع موسم الأمطار المقبل.














