مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في تطور سياسي جديد يعكس تصاعد التباينات داخل المشهد السياسي الصومالي، أعلن حزب «قوة الشعب» انسحابه الرسمي من تحالف «هيبة الوطن»، في خطوة وصفها بأنها جاءت بعد مراجعة داخلية شاملة وتقييم دقيق لمسار التحالف وتوجهاته السياسية خلال الفترة الأخيرة.
وأكد الحزب أن قرار الانسحاب لم يكن وليد خلاف عابر أو نتيجة مواقف شخصية بين قياداته وقيادات التحالف، وإنما جاء بسبب اختلافات وصفها بالجوهرية والمتعلقة بالمبادئ والرؤية السياسية وطريقة التعامل مع القضايا الوطنية الكبرى، خاصة بعد دخول تحالف «هيبة الوطن» في إطار سياسي أوسع عبر انضمامه إلى «مجلس المستقبل».
وأوضح الحزب أن المصلحة الوطنية كانت العامل الأساسي الذي استند إليه في اتخاذ قراره، مشددًا على أن أي تحالف سياسي مهما كانت أهميته لا يمكن أن يكون مقدمًا على مصالح الدولة والشعب، وأن الأحزاب الوطنية مطالبة بإعادة تقييم مواقفها عندما ترى أن المسار السياسي لا ينسجم مع المبادئ التي تأسست عليها.
ويأتي انسحاب حزب «قوة الشعب» في وقت تشهد فيه الصومال مرحلة سياسية حساسة تتزايد فيها النقاشات حول مستقبل النظام السياسي، وطبيعة الإصلاحات المطلوبة، ومستقبل المؤسسات الدستورية، وسط اختلاف واضح بين القوى السياسية حول أفضل السبل لإدارة المرحلة المقبلة.
حزب مؤسس للتحالف
وقال حزب «قوة الشعب» في بيان رسمي صدر أمس السبت، إنه كان من بين الأحزاب والمنصات السياسية العشرة التي شاركت في تأسيس تحالف «هيبة الوطن»، موضحًا أن مشاركته في تأسيس التحالف جاءت انطلاقًا من قناعة راسخة بأن العمل السياسي المشترك يمكن أن يكون وسيلة للوصول إلى حلول وطنية قائمة على الحوار والتشاور وبناء مؤسسات الدولة.
وأشار الحزب إلى أن الهدف من تأسيس التحالف كان توحيد جهود القوى السياسية حول رؤية مشتركة تهدف إلى تعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبادئ الحكم الرشيد، واحترام إرادة الشعب الصومالي، والمساهمة في بناء دولة مستقرة تستند إلى المؤسسات الدستورية.
وأكد البيان أن الحزب، خلال فترة عضويته داخل التحالف، عمل بصورة مستمرة على تقديم مقترحات وأفكار سياسية ركزت على دعم الاستقرار الوطني، والحفاظ على وحدة البلاد، وتشجيع الحلول السلمية للخلافات السياسية، بعيدًا عن التصعيد أو المواجهات التي قد تزيد من تعقيد المشهد الداخلي.
وأضاف أن الحزب ظل يؤمن بأن الحوار الوطني والتفاهم بين مختلف القوى السياسية يمثلان الطريق الأكثر فاعلية لمعالجة الخلافات، وأن المنافسة السياسية يجب أن تبقى ضمن إطار يحافظ على مصالح الدولة ويعزز ثقة المواطنين في العملية السياسية.
اختلاف حول مسار التحالف
وأوضح الحزب أن التطورات التي أعقبت انضمام تحالف «هيبة الوطن» إلى «مجلس المستقبل» كشفت عن تغير في الاتجاه السياسي للتحالف، معتبرًا أن بعض المواقف الجديدة لم تعد منسجمة مع المبادئ الأساسية التي قام عليها التحالف عند تأسيسه.
وأشار إلى أن قوة أي تحالف سياسي لا ترتبط فقط بعدد الأحزاب المشاركة فيه، وإنما بمدى التزام أعضائه بالرؤية المشتركة والمرتكزات الوطنية التي جمعت بينهم، مؤكدًا أن أي تحول كبير في المسار السياسي يستوجب مراجعة واضحة من جميع الأطراف.
وقال الحزب إن المرحلة الأخيرة أظهرت وجود اختلافات في طريقة التعامل مع الملفات الوطنية، خصوصًا ما يتعلق بمستقبل مؤسسات الدولة، وإدارة المرحلة الانتقالية، وطبيعة الإصلاحات السياسية المطلوبة، وهو ما دفعه إلى إعادة النظر في استمراره داخل التحالف.
وأكد أن قراره جاء بعد مشاورات داخلية ونقاشات واسعة بين قيادات الحزب وأعضائه، خلصت إلى أن مواصلة العضوية داخل التحالف لم تعد تتوافق مع رؤيته السياسية ومبادئه الوطنية.
الخلاف حول مقترح المرحلة الانتقالية
وسلط الحزب الضوء بصورة خاصة على الوثيقة التي أصدرها «مجلس المستقبل» بتاريخ 28 يوليو/تموز 2026، والتي تضمنت مقترحًا بشأن تشكيل مجلس أو حكومة انتقالية تتولى إدارة شؤون البلاد لمدة تصل إلى خمسة عشر عامًا.
واعتبر الحزب أن هذا الطرح يمثل تراجعًا عن مسار بناء الدولة والمؤسسات الدستورية، محذرًا من أن تمديد المرحلة الانتقالية لفترة طويلة قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسات القائمة وتأخير الوصول إلى نظام سياسي مستقر.
وأكد أن التجربة السياسية للصومال خلال العقود الماضية أظهرت أن المراحل الانتقالية الممتدة قد تخلق تحديات إضافية أمام بناء الدولة، داعيًا إلى التركيز على تعزيز المؤسسات الدستورية، وتطوير آليات الحكم، والانتقال نحو أنظمة سياسية أكثر استقرارًا.
وأشار الحزب إلى أن الشعب الصومالي يتطلع إلى مرحلة جديدة تقوم على الانتخابات والمؤسسات والحوكمة الرشيدة، وليس على استمرار ترتيبات مؤقتة قد تؤدي إلى حالة من عدم اليقين السياسي.
انتقادات لغياب موقف واضح
وقال الحزب إن عدم صدور موقف واضح ومسؤول من قيادة تحالف «هيبة الوطن» تجاه وثيقة «مجلس المستقبل» كان أحد الأسباب الرئيسية التي عززت قناعته بضرورة الانسحاب.
وأوضح أن القضايا المرتبطة بمستقبل الدولة وشكل الحكم تحتاج إلى مواقف صريحة من القوى السياسية، وأن الصمت تجاه ملفات مصيرية قد يثير تساؤلات حول قدرة التحالفات السياسية على تحمل مسؤولياتها الوطنية.
وأكد الحزب أن انسحابه لا يمثل خصومة سياسية مع أي طرف، وإنما يعبر عن اختلاف في الرؤية والتقييم بشأن المسار الأنسب لخدمة الصومال وتحقيق الاستقرار السياسي والمؤسسي.
وشدد على أن الخلافات السياسية جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية، لكنها يجب أن تدار بطريقة مسؤولة تحافظ على وحدة المجتمع وتمنع انحراف العمل السياسي عن أهدافه الوطنية.
تداعيات على المعارضة والتحالفات
ويرى مراقبون أن انسحاب حزب «قوة الشعب» يمثل تطورًا بارزًا داخل تحالف «هيبة الوطن»، نظرًا إلى أن الحزب كان أحد المكونات المؤسسة للتحالف، ويتمتع بحضور سياسي واضح داخل الساحة الوطنية.
وأشار محللون إلى أن هذه الخطوة قد تدفع التحالف إلى إعادة تقييم بنيته الداخلية وآليات اتخاذ القرار، خصوصًا في ظل وجود اختلافات متزايدة بين مكوناته بشأن عدد من الملفات السياسية المهمة.
كما يعكس الانسحاب اتساع الفجوة بين بعض أطراف المعارضة حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة، وطبيعة العلاقة مع مؤسسات الدولة، ومستقبل العملية السياسية في البلاد.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه التباينات قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات السياسية خلال الفترة المقبلة، مع احتمال ظهور اصطفافات جديدة تقوم على تقارب الرؤى بشأن القضايا الوطنية الأساسية.
إعادة ترتيب المشهد السياسي الصومالي
ويأتي هذا التطور في ظل مرحلة تشهد فيها الصومال حراكًا سياسيًا واسعًا، حيث تسعى مختلف القوى إلى تحديد موقعها في المشهد الوطني، وسط نقاشات مستمرة حول الإصلاحات السياسية، والنظام الانتخابي، ومستقبل المؤسسات الحكومية.
ويشير انسحاب حزب «قوة الشعب» إلى أن التحالفات السياسية القائمة تواجه اختبارًا حقيقيًا يتعلق بقدرتها على الحفاظ على وحدة مواقفها، وإدارة الخلافات الداخلية، وتقديم خطاب سياسي واضح أمام المواطنين.
وفي ختام بيانه، قدم الحزب الشكر إلى قيادة تحالف «هيبة الوطن» وجميع الأحزاب والشخصيات التي عمل معها خلال الفترة الماضية، مؤكدًا احترامه للعلاقات السياسية التي جمعته بشركائه السابقين، مع تمسكه بحقه في اتخاذ المواقف التي يرى أنها تتماشى مع مبادئه الوطنية.
خلفية المشهد
تأسس تحالف «هيبة الوطن» بمشاركة عشرة أحزاب ومنصات سياسية بهدف توحيد المواقف تجاه القضايا الوطنية وتعزيز العمل السياسي المشترك، في محاولة لتشكيل جبهة سياسية قادرة على تقديم رؤية موحدة بشأن مستقبل البلاد.
غير أن انضمام التحالف لاحقًا إلى «مجلس المستقبل»، إلى جانب الجدل الذي أثارته بعض المقترحات المتعلقة بإدارة المرحلة المقبلة، كشف عن وجود تباينات داخلية بين مكوناته.
ويعد انسحاب حزب «قوة الشعب» أول خروج معلن من أحد الأحزاب المؤسسة للتحالف، الأمر الذي قد يحمل تأثيرات على تماسك التحالف ومستقبله السياسي، في وقت تشهد فيه الصومال مرحلة إعادة ترتيب واسعة للمشهد الحزبي والسياسي، مع استمرار النقاش حول مستقبل الدولة ومسار الحكم خلال السنوات المقبلة.














