مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
كشفت معلومات متداولة عن تحرك دبلوماسي صومالي مكثف أسهم، وفق ما أوردته مصادر إعلامية، في إفشال مساعٍ كانت تقودها إدارة صوماليلاند لدفع غينيا بيساو نحو الاعتراف بها كدولة مستقلة، في تطور يعكس تصاعد المنافسة الدبلوماسية بين مقديشو وهرجيسا بشأن مستقبل وضع الإقليم. وبحسب تقرير نشرته «مدى مصر»، استند إلى مسؤولين صوماليين وآخرين من إدارة صوماليلاند كانوا على صلة مباشرة بالملف، فإن اتصالات بين هرجيسا وبساو استمرت لفترة ووصلت إلى مستوى وزاري، قبل أن تتدخل الحكومة الفيدرالية الصومالية عبر تحرك دبلوماسي قالت المصادر إنه حظي بدعم من تركيا ومصر والسعودية، ما أدى إلى تعثر مسار الاعتراف الذي كانت هرجيسا تراهن على قرب إتمامه.
وتأتي هذه التطورات بعد تداول تقارير في أواخر يوليو 2026 أفادت بأن غينيا بيساو تستعد لاتخاذ خطوة الاعتراف بصوماليلاند، الأمر الذي كان سيجعلها، في حال حدوثه، أول دولة أفريقية تقدم على هذه الخطوة. وكانت هذه الأنباء قد أثارت اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية والدبلوماسية، نظرًا لحساسية ملف الاعتراف بصوماليلاند وانعكاساته المحتملة على موقف الاتحاد الأفريقي والدول الأعضاء فيه، فضلًا عن تداعياته على علاقة مقديشو بمحيطها الإقليمي والدولي.
وجاءت هذه التحركات في أعقاب إعلان إسرائيل، في أواخر ديسمبر 2025، اعترافها بصوماليلاند، وفق ما تضمنه التقرير المصدر، لتصبح بذلك أول دولة تقدم على اعتراف رسمي بها. وقد عززت الخطوة الإسرائيلية آمال هرجيسا في أن تمثل نقطة انطلاق نحو اعترافات دولية وأفريقية جديدة، فيما دفعت الصومال إلى تكثيف اتصالاتها الدبلوماسية مع الدول العربية والأفريقية والإسلامية، بهدف منع تحول الاعتراف الإسرائيلي إلى مسار تتبعه دول أخرى.
وتسعى صوماليلاند منذ إعلان انفصالها عن الصومال عام 1991 إلى الحصول على اعتراف دولي رسمي، مستندة إلى سردية سياسية وقانونية تسعى من خلالها إلى تقديم نفسها ككيان منفصل عن الدولة الصومالية. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، عملت هرجيسا على بناء علاقات خارجية ومكاتب تمثيلية واتصالات مع حكومات ومنظمات دولية، كما سعت إلى استثمار موقعها الجغرافي الاستراتيجي على خليج عدن وعلاقاتها الإقليمية في دعم مطالبها بالاعتراف. في المقابل، تتمسك مقديشو بوحدة الأراضي الصومالية وسيادتها على كامل أراضي البلاد، وترفض أي خطوات من شأنها إضفاء صفة الدولة المستقلة على صوماليلاند.
وبحسب مسؤولين من صوماليلاند تحدثوا إلى «مدى مصر» ونقل التقرير عنهم، فإن الاتصالات بين هرجيسا وغينيا بيساو لم تكن وليدة الأسابيع الأخيرة، بل استمرت لفترة وارتقت إلى مستوى وزاري، قبل أن تصل إلى مرحلة اعتقد خلالها الجانب الصوماليلاندي أن إعلان الاعتراف أصبح قريبًا. وقال أحد المسؤولين إن ثلاثة مسؤولين بارزين من صوماليلاند، من بينهم وزير الخارجية، توجهوا على متن طائرة خاصة إلى غينيا بيساو، حيث أجروا لقاءات مع مسؤولين كبار في الحكومة.
ولم يحدد المسؤول موعد بدء المحادثات بصورة دقيقة، لكنه وصف اللقاءات الأولى بأنها كانت إيجابية وناجحة من وجهة نظر وفد صوماليلاند. وأضاف، وفق التقرير، أن الوفد عاد من الاجتماعات وهو يحمل قناعة قوية بأن الاعتراف الرسمي أصبح قريبًا، وأن رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله «عِرّو» كان ينتظر الإعلان الرسمي واتصالًا تأكيديًا من بيساو.
غير أن المسار الدبلوماسي لم يصل إلى تلك المرحلة، إذ أفادت الرواية التي أوردها التقرير بأن الحكومة الصومالية تدخلت قبل إجراء الاتصال المنتظر، وبدأت تحركًا مباشرًا لدى السلطات في غينيا بيساو. ووفق المسؤول الصوماليلاندي، حصلت مقديشو خلال هذا التحرك على دعم من تركيا ومصر والسعودية، قبل أن تتعثر المحادثات المتعلقة بالاعتراف وتدخل في مسار مختلف عما كانت هرجيسا تتوقعه.
وفي الجانب المقابل، نقلت «مدى مصر» عن مسؤول صومالي رفيع شارك في التحرك الدبلوماسي أن الحكومة الفيدرالية حصلت على معلومات تفيد بوجود وفد رفيع المستوى من صوماليلاند في غينيا بيساو، وهو ما دفع مقديشو إلى التحرك بصورة مباشرة لمنع اكتمال المسار الدبلوماسي.
وبحسب المسؤول، تواصلت مقديشو مباشرة مع وزير خارجية غينيا بيساو للاستفسار عن المعلومات المتداولة بشأن وجود وفد من صوماليلاند وعن طبيعة الاتصالات الجارية بين الجانبين. وقال إن الجانب الغيني نفى وجود مسؤولين من صوماليلاند في البلاد، كما نفى وجود خطة للاعتراف بها كدولة مستقلة.
وبعد أيام، وتحديدًا في 26 يوليو 2026، أصدرت وزارة خارجية غينيا بيساو بيانًا رسميًا نفت فيه التقارير التي تحدثت عن اعتزام البلاد الاعتراف بصوماليلاند. وأكدت الوزارة، بحسب ما أورده التقرير، أن غينيا بيساو «لم تتخذ، ولا تنظر في اتخاذ» أي قرار للاعتراف بصوماليلاند، في موقف رسمي أوقف، على الأقل في تلك المرحلة، التكهنات بشأن قرب صدور مثل هذا الإعلان.
وقال المسؤول الصومالي، وفق الرواية ذاتها، إن هرجيسا كانت تعمل بالتوازي على مسارات اعتراف أخرى، من بينها إسواتيني وجنوب السودان ودول أخرى، وإن مقديشو ردت على تلك التحركات بحملة دبلوماسية بالتنسيق مع ما وصفها بـ«الدول الصديقة». وأضاف أن هذه التحركات أسهمت، حتى الآن، في احتواء مساعي صوماليلاند للحصول على اعترافات جديدة.
وفي مؤشر على اتساع نطاق التحرك الصومالي، قال وزير الدولة للشؤون الخارجية الصومالي علي محمد عمر «علي بلعد»، في مقابلة مع قناة «يونيفرسال» في 29 يوليو 2026، إن الحكومة الصومالية تمكنت من منع ست دول من اتخاذ خطوة مماثلة للاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند.
ولم يكشف المسؤول أسماء تلك الدول، لكنه قال إن مقديشو بعثت رسائل إلى حكوماتها وحثتها على عدم منح صوماليلاند اعترافًا رسميًا. كما أعرب عن ثقته في أن دولة أفريقية أو قوة دولية كبرى لن تقدم على هذه الخطوة، مشيرًا إلى ما وصفه بضغوط أو جهود إسرائيلية لتشجيع دول صغيرة على الاعتراف بصوماليلاند.
وكانت هرجيسا قد راهنت، بعد الاعتراف الإسرائيلي في ديسمبر 2025، على أن تفتح الخطوة الباب أمام دول أخرى للانضمام إلى المسار ذاته، إلا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن وفق المعطيات الواردة في التقرير. وفي المقابل، واصل الرئيس عبد الرحمن عِرّو الحديث في مناسبات عدة عن وجود دول تدرس الاعتراف بصوماليلاند، بينما كثفت إدارته تحركاتها الخارجية، خصوصًا خلال 2026.
وأدى التقارب الجديد بين إسرائيل وصوماليلاند، إلى جانب النشاط الدبلوماسي المكثف الذي تقوده هرجيسا، إلى رفع مستوى القلق لدى الحكومة الفيدرالية الصومالية، التي تنظر إلى أي اعتراف جديد باعتباره تطورًا يمكن أن يفتح الباب أمام سلسلة أوسع من الخطوات المماثلة. ولهذا ركزت مقديشو منذ ديسمبر 2025 على حشد دعم الدول الإسلامية والعربية وشركائها الإقليميين، في محاولة لمنع تثبيت الاعتراف الإسرائيلي كأمر واقع أو تحوله إلى نموذج قابل للتكرار.
وفي حال كانت غينيا بيساو قد مضت في الاعتراف بصوماليلاند، لكان ذلك سيشكل تطورًا ذا دلالة خاصة على مستوى القارة الأفريقية، بالنظر إلى حساسية مبدأ احترام الحدود الموروثة عن الحقبة الاستعمارية وموقف الدول الأفريقية التقليدي من النزاعات الانفصالية. وقد ظلت غالبية الدول الأفريقية حذرة من اتخاذ خطوات يمكن أن تفسر على أنها تشجيع لتغيير حدود الدول الأعضاء أو الاعتراف بحركات انفصالية، خشية أن تفتح مثل هذه السوابق الباب أمام نزاعات مماثلة في أجزاء أخرى من القارة.
وبحسب التقرير، قال مسؤولان مصريان إن القاهرة تعمل بالتنسيق مع السعودية في هذا الملف، وتجري اتصالات مع دول أفريقية أخرى بهدف التأكيد على مخاطر أي اعتراف بصوماليلاند. وتتمثل الرسالة التي تنقلها هذه التحركات، وفق المسؤولين، في أن الاعتراف بالانفصال في حالة صوماليلاند لن يكون بالضرورة قضية منفردة، بل قد يترك تداعيات على قضايا الوحدة الترابية والنزعات الانفصالية في دول أفريقية أخرى.
وتعكس هذه المقاربة مدى ارتباط قضية صوماليلاند بحسابات أوسع تتجاوز الصومال والمنطقة، إذ إن أي تغيير في الموقف الأفريقي التقليدي قد يفرض على حكومات القارة إعادة تقييم سياساتها تجاه حركات انفصالية أخرى. ولهذا تركز مقديشو وحلفاؤها على إبقاء القضية ضمن إطار وحدة الأراضي الصومالية، فيما تسعى هرجيسا إلى تقديم قضيتها بوصفها حالة استثنائية تستحق معاملة مختلفة.
وقبل أن تتحول غينيا بيساو إلى محور الاهتمام، كانت إثيوبيا تمثل الرهان الدبلوماسي الأكبر لصوماليلاند في مسار البحث عن الاعتراف الدولي. ففي مطلع 2024، وقعت إدارة الرئيس السابق موسى بيحي عبدي مذكرة تفاهم مع أديس أبابا تتيح لإثيوبيا، وفق ما أعلن حينها، الحصول على منفذ بحري عبر ساحل صوماليلاند، في اتفاق تضمن، بحسب المعطيات المتداولة آنذاك، تخصيص شريط ساحلي بطول نحو 20 كيلومترًا لفترة طويلة.
وكان موسى بيحي قد ربط الاتفاق بإمكانية أن تقود الخطوة إلى اعتراف إثيوبي بصوماليلاند، ما جعل مذكرة التفاهم واحدة من أكثر الأوراق أهمية في استراتيجية هرجيسا الخارجية. غير أن المسار لم ينته إلى النتيجة التي كانت تأملها صوماليلاند، بعدما دخلت إثيوبيا والصومال في مفاوضات برعاية تركية انتهت إلى «إعلان أنقرة» في ديسمبر 2024، الذي أعاد التأكيد على ضرورة احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيها في إطار التفاهمات المتعلقة بالوصول إلى البحر.
كما أن غينيا بيساو لم تكن أول دولة في غرب أفريقيا تتواصل معها صوماليلاند. ففي 2019، أجرى الرئيس السابق موسى بيحي زيارة رسمية إلى كوناكري، وهو ما أثار آنذاك اعتراض الحكومة الصومالية ودفعها إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع غينيا. وتشير رواية نقلها التقرير عن محلل تابع الملف عن قرب إلى أن هرجيسا بدأت في الفترة نفسها اتصالات مع غينيا بيساو، إلا أن تلك الجهود لم تؤد في ذلك الوقت إلى الحصول على اعتراف رسمي.
ويكشف تعثر المسار الأخير مع غينيا بيساو عن مستوى جديد من التنافس الدبلوماسي بين مقديشو وهرجيسا، في وقت تسعى فيه الأخيرة إلى استثمار علاقاتها الخارجية والظروف الإقليمية من أجل توسيع دائرة الدول التي قد تنظر في الاعتراف بها، بينما تعمل الصومال على منع انتقال الاعتراف الإسرائيلي إلى مرحلة أوسع. وإذا استمرت هذه المنافسة، فإن الملف مرشح للبقاء حاضرًا بقوة في التحركات الدبلوماسية للجانبين، خصوصًا في أفريقيا والشرق الأوسط والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع قضية وحدة الأراضي الصومالية مع حسابات الأمن البحري والتجارة والنفوذ الإقليمي.
تأتي هذه التطورات في سياق صراع دبلوماسي متصاعد بين مقديشو وهرجيسا حول مستقبل وضع صوماليلاند، بعدما تحول ملف الاعتراف إلى أحد أبرز محاور السياسة الخارجية للطرفين، خصوصًا عقب الاعتراف الإسرائيلي في ديسمبر 2025 الذي منح هرجيسا دفعة سياسية جديدة ورفع في المقابل مستوى التحرك الصومالي لمنع اتساع دائرة الاعتراف. وتدرك الصومال أن أي اعتراف أفريقي جديد قد يحمل وزنًا سياسيًا أكبر من الاعترافات خارج القارة، نظرًا لطبيعة موقف الاتحاد الأفريقي من الحدود والنزاعات الانفصالية، بينما ترى صوماليلاند في التحركات الإقليمية والدولية فرصة لكسر حالة عدم الاعتراف التي استمرت منذ إعلانها الانفصال عام 1991. وبين هذين المسارين، تبدو الساحة الأفريقية مرشحة لمزيد من التحركات الدبلوماسية، في ظل سعي مقديشو إلى بناء جبهة واسعة من الدول الرافضة لأي اعتراف بصوماليلاند، مقابل جهود هرجيسا للبحث عن عواصم مستعدة لاتخاذ الخطوة الأولى أو دعم مسارها سياسيًا، بما يجعل ملف الاعتراف أحد أكثر الملفات حساسية في التنافس السياسي بين الجانبين، وأحد العوامل المؤثرة في علاقات الصومال الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.














