مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
أثارت تصريحات وزير الدفاع في الحكومة الفيدرالية الصومالية، أحمد معلم فقي، جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية داخل الصومال، بعد حديثه عن وجود ما وصفه بـ”حزبين فقط” في المشهد الصومالي الراهن، في إشارة إلى الحكومة الفيدرالية من جهة، وحركة الشباب المسلحة من جهة أخرى. وجاءت هذه التصريحات خلال كلمة ألقاها الوزير، أمس الإثنين في مناسبة عامة تناول فيها طبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، حيث ركز على التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه الدولة، قبل أن تتحول عباراته إلى موضوع نقاش واسع بين السياسيين والمحللين والمتابعين للشأن الوطني، لما حملته من قراءة خاصة لطبيعة الصراع القائم في البلاد.
وأوضح وزير الدفاع أن فهم الواقع الصومالي، وفق رؤيته، لا يمكن أن يتم من خلال النظر إليه باعتباره منافسة سياسية تقليدية بين أحزاب وتيارات متعددة فقط، بل من خلال إدراك وجود مواجهة أكبر بين مؤسسات الدولة التي تسعى إلى ترسيخ سلطتها، وحركة الشباب المسلحة التي تخوض الحكومة ضدها حربًا أمنية وعسكرية منذ سنوات. وأشار إلى أن طبيعة الظروف التي مرت بها الصومال خلال العقود الماضية جعلت قضايا الأمن والاستقرار في مقدمة الأولويات الوطنية، وأن المعركة الحالية لا ترتبط بالجانب العسكري وحده، وإنما تتصل كذلك بمستقبل الدولة وقدرتها على فرض القانون وتوسيع حضور مؤسساتها في مختلف المناطق.
وأضاف فقي أن المرحلة الراهنة تختلف عن المراحل السياسية السابقة، بسبب حجم التحديات التي تواجه الدولة، معتبرًا أن مواجهة حركة الشباب تمثل أحد أبرز الملفات التي تحدد مسار البلاد في الوقت الحالي. ويرى مراقبون أن حديث الوزير جاء في سياق التأكيد على أهمية توحيد الجهود الوطنية خلف مؤسسات الدولة في مواجهة الجماعات المسلحة، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية التي تقودها القوات الحكومية بالتعاون مع القوات المحلية والدعم الدولي بهدف استعادة المناطق التي لا تزال تشهد نشاطًا مسلحًا.
وأحدثت تصريحات وزير الدفاع تفاعلًا كبيرًا بين مؤيدين ومعارضين، حيث رأى بعض المتابعين أنها تعكس واقعًا أمنيًا معقدًا تعيشه الصومال، إذ لا تزال حركة الشباب تمثل تحديًا مباشرًا للدولة رغم الحملات العسكرية المستمرة ضدها. واعتبر أصحاب هذا الرأي أن توصيف الوزير يعبر عن طبيعة الصراع الحقيقي الذي تخوضه البلاد في هذه المرحلة، وأن الأولوية يجب أن تركز على إنهاء التهديدات الأمنية وبناء مؤسسات قادرة على حماية المواطنين وتعزيز الاستقرار في مختلف المناطق.
في المقابل، اعتبر عدد من السياسيين والمحللين أن المشهد الصومالي أكثر تعقيدًا من أن يتم اختزاله في طرفين فقط، مؤكدين أن البلاد تضم طيفًا واسعًا من القوى السياسية والاجتماعية والمكونات الوطنية التي تشارك في تشكيل مستقبلها. وأشاروا إلى أن التحديات الأمنية، رغم أهميتها، لا ينبغي أن تطغى على الحاجة إلى تطوير العملية السياسية، وتعزيز الحوار الوطني، وتوسيع قاعدة المشاركة، بما يضمن بناء نظام سياسي قادر على استيعاب مختلف التطلعات الوطنية.
ويرى خبراء في الشأن الصومالي أن تصريحات وزير الدفاع تكشف مدى التداخل القائم بين الملفين الأمني والسياسي في البلاد، حيث أصبحت الحرب ضد حركة الشباب تؤثر بصورة مباشرة على طبيعة النقاشات السياسية وخيارات الدولة المستقبلية. وأوضحوا أن الجماعة المسلحة لم تعد تُنظر إليها فقط باعتبارها تنظيمًا عسكريًا، بل أصبحت جزءًا من معادلة الصراع التي تؤثر على الأمن والسياسة والتنمية، بسبب استمرار قدرتها على تنفيذ هجمات وتهديد بعض المناطق، رغم الضربات التي تعرضت لها خلال الفترة الأخيرة.
وأشار محللون إلى أن معالجة التحديات التي تواجه الصومال تحتاج إلى استراتيجية شاملة لا تقتصر على الجانب العسكري فقط، بل تجمع بين تعزيز الأمن، وبناء المؤسسات، وتحسين الخدمات العامة، ودعم التنمية المحلية، وخلق بيئة سياسية واجتماعية تقلل من فرص استغلال الأزمات من قبل الجماعات المسلحة. وأكدوا أن الدولة القوية لا تُبنى بالقوة الأمنية وحدها، وإنما بقدرتها على بناء علاقة ثقة مستدامة مع مواطنيها وتوفير نموذج حكم قادر على تلبية احتياجات المجتمع.
وتأتي تصريحات وزير الدفاع في وقت تواصل فيه الحكومة الفيدرالية عملياتها العسكرية ضد حركة الشباب في عدد من المناطق، ضمن خطة تهدف إلى توسيع سلطة الدولة واستعادة المناطق التي ما تزال الجماعة تنشط فيها. كما تأتي في ظل مرحلة سياسية حساسة تشهد نقاشات واسعة حول مستقبل النظام السياسي، والإصلاحات الدستورية، والانتخابات، وطبيعة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، وهي ملفات ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل الدولة الصومالية ومسارها خلال السنوات المقبلة.
ورغم الجدل الذي أثارته تصريحات أحمد معلم فقي، لم يصدر حتى الآن بيان رسمي من وزارة الدفاع أو الحكومة الفيدرالية يوضح ما إذا كانت هذه التصريحات تمثل موقفًا حكوميًا رسميًا أم أنها جاءت في إطار تقييم شخصي لطبيعة المرحلة. إلا أن حديث الوزير أعاد إلى الواجهة نقاشًا أوسع حول كيفية فهم الصراع في الصومال، وما إذا كانت الأولوية خلال المرحلة المقبلة يجب أن تركز على الجانب الأمني فقط أم على بناء رؤية وطنية متكاملة تجمع بين الأمن والسياسة والتنمية.
تعيش الصومال مرحلة تاريخية دقيقة تسعى خلالها إلى تجاوز إرث طويل من الصراعات والتحديات، وبناء دولة حديثة قادرة على حماية مواطنيها وتعزيز حضورها الداخلي والخارجي. وبينما تمثل مواجهة الإرهاب والحفاظ على الأمن أولوية لا يمكن تجاوزها، فإن مستقبل البلاد يرتبط كذلك بقدرتها على ترسيخ مؤسساتها، وتوسيع المشاركة السياسية، وتعزيز المصالحة الوطنية، بما يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية. فالصومال التي تتطلع إلى استعادة دورها الإقليمي تحتاج إلى توازن دقيق بين متطلبات الأمن وبناء الدولة، وبين الحسم في مواجهة التهديدات وترسيخ قيم الحوار والشراكة الوطنية.














