مقديشـو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في سياق دبلوماسي متصاعد يعكس توجه الدولة الصومالية نحو توسيع حضورها الخارجي عبر بوابة الجاليات الوطنية في المهجر، وتعزيز دور الكفاءات الصومالية المنتشرة حول العالم في دعم مسار إعادة بناء الدولة، استقبل رئيس جمهورية الصومال الفيدرالية، حسن شيخ محمود، أمس السبت، في القصر الرئاسي بالعاصمة مقديشو، العمدة الصومالية-الأمريكية لمدينة سانت لويس بارك بولاية مينيسوتا، السيدة نادية محمد، في لقاء رسمي رفيع المستوى اتسم بطابع بروتوكولي منظم، لكنه حمل في مضمونه أبعاداً سياسية وتنموية واستراتيجية تتجاوز حدود الزيارة التقليدية، وتعكس تحولات أعمق في مفهوم العلاقة بين الدولة ومواطنيها في الخارج.
وجاء هذا اللقاء ضمن رؤية حكومية شاملة تعمل على إعادة صياغة العلاقة مع الجاليات الصومالية في المهجر، بحيث يتم الانتقال من نموذج العلاقة الرمزية أو المناسباتية إلى نموذج الشراكة المؤسسية المستدامة، القائم على إشراك الكفاءات الصومالية في الخارج في مسارات التنمية الوطنية، والاستفادة من خبراتها المتراكمة في مجالات الحكم المحلي والإدارة العامة وصناعة القرار، خصوصاً في الدول الغربية التي استطاعت فيها الجالية الصومالية تحقيق حضور ملحوظ داخل المؤسسات السياسية والإدارية، بما في ذلك المجالس المحلية والبلديات.
وخلال اللقاء، رحّب الرئيس السيد الدكتور حسن شيخ محمود بالعمدة ناديا محمد ترحيباً رسمياً حاراً، مثنياً على مسيرتها المهنية والسياسية داخل الولايات المتحدة، ومشيراً إلى أن وصولها إلى منصب قيادي في إدارة إحدى المدن الأمريكية يمثل نموذجاً متقدماً لنجاح الكفاءات الصومالية في الاندماج الإيجابي داخل المجتمعات الغربية، ليس فقط على المستوى الاجتماعي، بل أيضاً في مواقع صنع القرار المحلي، وفي بيئات سياسية وإدارية تتسم بدرجة عالية من التنافس والتعقيد المؤسسي.
وأكد الرئيس أن هذا النوع من النجاحات الفردية لا يمكن النظر إليه بمعزل عن تأثيره الجماعي والوطني، بل يجب اعتباره جزءاً من رأس المال البشري الصومالي الممتد خارج الحدود، والذي يمكن توظيفه بشكل استراتيجي في دعم الدولة الصومالية، وتعزيز علاقاتها الخارجية، وتوسيع شبكة شراكاتها الدولية، خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي تُعد أحد أهم الشركاء الدوليين للصومال في مجالات الأمن والتنمية وبناء القدرات.
وأضاف الرئيس أن الحكومة الصومالية تنظر إلى الجاليات في الخارج باعتبارها مكوناً أساسياً في العملية التنموية، وليس مجرد امتداد اجتماعي، موضحاً أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة بناء الجسور المؤسسية مع هذه الجاليات عبر آليات منظمة، تتيح الاستفادة من خبراتهم في تطوير الإدارة العامة، وتحسين جودة الخدمات الحكومية، ودعم برامج الإصلاح المؤسسي، إلى جانب تشجيع الاستثمارات وتحويل الخبرات إلى مشاريع تنموية ملموسة داخل البلاد.
كما شدد الرئيس على أن توظيف خبرات الكفاءات الصومالية في المهجر يمثل أحد أهم المسارات الاستراتيجية لبناء دولة حديثة قادرة على مواكبة التحديات، مؤكداً أن الحكومة تعمل على فتح قنوات تعاون مباشرة مع الشخصيات الصومالية المؤثرة في الخارج، بما يضمن تحويل العلاقات الفردية إلى شراكات مؤسسية ذات أثر مستدام في مختلف القطاعات.
من جانبها، أعربت العمدة نادية محمد عن بالغ شكرها وامتنانها لحفاوة الاستقبال التي حظيت بها خلال زيارتها الرسمية إلى مقديشو، مؤكدة أن هذه الزيارة تحمل لها دلالات خاصة على المستوى الشخصي والمهني، وتعكس في الوقت ذاته عمق الروابط التاريخية والإنسانية التي تجمع الجاليات الصومالية بوطنها الأم، واستعدادها الدائم للمساهمة في دعم جهود التنمية وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
وأضافت أن تعزيز التعاون بين المؤسسات المحلية في الولايات المتحدة ونظيراتها في الصومال يمثل خطوة ضرورية لبناء شراكات طويلة الأمد في مجالات التعليم والإدارة والتنمية المجتمعية، مشيرة إلى أن إشراك الجاليات بشكل أوسع في البرامج التنموية من شأنه أن يسهم في نقل الخبرات الحديثة، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، ودعم مسار الإصلاح الإداري داخل الدولة.
كما لفتت إلى أنها لمست خلال زيارتها إلى العاصمة مقديشو تحسناً ملحوظاً في الأوضاع الأمنية والعمرانية والاقتصادية، معتبرة أن هذا التطور يعكس جهوداً متواصلة تبذلها الحكومة الصومالية في سبيل تعزيز الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة، رغم التحديات المعقدة التي لا تزال قائمة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية.
يُظهر هذا اللقاء اتجاهاً مؤسسياً متقدماً في السياسة الصومالية يقوم على إعادة تموضع الجاليات في المهجر داخل منظومة الدولة، ليس كعنصر خارجي داعم فقط، بل كجزء فاعل من البنية الاستراتيجية للتنمية وصناعة القرار. ويعكس ذلك تحولاً تدريجياً في مفهوم الدبلوماسية الصومالية نحو نموذج أكثر شمولاً، يستند إلى إشراك الفاعلين غير الحكوميين، وخاصة الكفاءات الصومالية التي نجحت في الوصول إلى مواقع مؤثرة داخل الأنظمة السياسية والإدارية في الدول الغربية، وهو ما يفتح المجال أمام توسيع أدوات التأثير الصومالي على الساحة الدولية عبر مسارات غير تقليدية.
تأتي هذه الزيارة في إطار جهود متواصلة تبذلها الدولة الصومالية لإعادة بناء العلاقة مع جالياتها حول العالم على أسس استراتيجية مستدامة، تقوم على تحويل هذه الجاليات إلى شريك فعلي في عملية التنمية الوطنية، من خلال نقل الخبرات، ودعم الاستثمار، والمشاركة في بناء المؤسسات. كما تعكس هذه التطورات مؤشرات واضحة على تحسن بيئة العمل الدبلوماسي في العاصمة مقديشو، وانفتاحها المتزايد على الفعاليات الرسمية والزيارات رفيعة المستوى، بما يعزز موقعها كعاصمة سياسية نشطة تسعى إلى ترسيخ الاستقرار وتوسيع حضورها الإقليمي والدولي.














