مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
أطلق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، أمس الثلاثاء، تحذيرًا جديدًا بشأن تدهور الوضع الإنساني في الصومال، مؤكداً أن تداعيات الجفاف الحاد، إلى جانب استمرار تأثيرات النزاعات وتراجع التمويل الإنساني، دفعت ملايين السكان إلى مواجهة أوضاع معيشية بالغة الصعوبة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الأساسية المرتبطة بالغذاء والمياه والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.
وقالت الوكالة الأممية إن الصومال تمر بمرحلة إنسانية دقيقة نتيجة تداخل مجموعة من العوامل التي فاقمت من معاناة السكان خلال الفترة الأخيرة، موضحة أن استمرار الجفاف، وتكرار الظواهر المناخية القاسية، وضعف مصادر الدخل في العديد من المناطق، إضافة إلى آثار الصراعات الممتدة، كلها عوامل أسهمت في إضعاف قدرة الأسر على مواجهة الظروف الحالية، خصوصًا في المناطق الريفية التي تعتمد بشكل أساسي على الزراعة والرعي.
وأضاف مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الأزمة الحالية لا تزال تتسم بالتعقيد بسبب امتداد آثار الجفاف إلى قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، حيث أدى نقص الأمطار وتراجع الموارد المائية إلى خسائر في الثروة الحيوانية، وانخفاض الإنتاج الزراعي، وارتفاع الضغوط الاقتصادية على الأسر التي فقدت جزءًا كبيرًا من مصادر رزقها. وأكد أن المجتمعات التي تعيش في المناطق النائية والساحلية تواجه تحديات أكبر بسبب صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية.
وأوضح التقرير الأممي أن الجفاف الشديد أثر على نحو 250 ألف شخص في مناطق مختلفة من الصومال، مشيرًا إلى أن الفئات الأكثر هشاشة كانت الأكثر تعرضًا للتداعيات، خاصة المجتمعات الرعوية والنازحين داخليًا والأسر التي تعتمد على الموارد الطبيعية المحدودة. وأشار إلى أن استمرار الظروف المناخية الصعبة قد يؤدي إلى زيادة مستويات الاحتياج، ما لم يتم تعزيز التدخلات الإنسانية ودعم برامج التكيف مع التغيرات المناخية.
وأكد أوتشا أن أكثر من 570 ألف شخص بحاجة عاجلة إلى خدمات المياه، في ظل تراجع توفر مصادر المياه الآمنة في عدد من المناطق، بينما يحتاج نحو 1.5 مليون شخص إلى مساعدات غذائية لمواجهة تداعيات انعدام الأمن الغذائي. وحذر المكتب من أن انخفاض التمويل المخصص للعمليات الإنسانية قد يحد من قدرة المنظمات على توسيع نطاق الاستجابة، في وقت تتزايد فيه أعداد المتضررين وتتسع رقعة الاحتياجات.
وفي الجانب الصحي، حذرت الأمم المتحدة من استمرار ارتفاع مستويات سوء التغذية بين الأطفال، مؤكدة أن أكثر من 400 ألف و730 طفلًا يعانون من سوء تغذية حاد، بينهم نحو 97 ألفًا و150 طفلًا في حالات شديدة الخطورة، إضافة إلى 303 آلاف و580 طفلًا يعانون من سوء تغذية متوسط. كما أشارت إلى أن نقص الخدمات الصحية الأساسية، وخاصة خدمات الرعاية الطارئة للنساء الحوامل وخدمات الصحة الإنجابية، يمثل تحديًا إضافيًا في المناطق الريفية ومجتمعات الرعاة التي تعاني من ضعف الوصول إلى المرافق الطبية.
وبيّن التقرير أن آثار الأزمة الإنسانية امتدت كذلك إلى قطاع التعليم، حيث أدى الجفاف والنزوح والظروف الاقتصادية الصعبة إلى إغلاق أكثر من 820 مدرسة، ما تسبب في تهديد مستقبل آلاف الأطفال الذين يعتمدون على هذه المؤسسات للحصول على التعليم الأساسي. وأكد أن استمرار الأزمات المتكررة يفرض الحاجة إلى حلول تتجاوز التدخلات الطارئة، من خلال دعم الأنظمة التعليمية وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على الحفاظ على الخدمات الأساسية حتى في فترات الأزمات.
وفي السياق الغذائي، أشار برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو مليوني شخص يواجهون مستويات طارئة من الجوع وفق تصنيف الأمن الغذائي المتكامل (IPC المرحلة الرابعة)، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الأسر الصومالية في ظل تراجع الإنتاج وارتفاع أسعار المواد الأساسية وتقلص مصادر الدخل. وأكد البرنامج أن استمرار الدعم الإنساني يمثل عاملًا حاسمًا لمنع تدهور الأوضاع ووصول المزيد من السكان إلى مستويات أكثر خطورة من انعدام الأمن الغذائي.
وفي إطار تعزيز جهود الاستجابة، أعلن صندوق المساعدات الإنسانية للصومال زيادة دعمه لمنطقة بورهاكبا في إقليم باي، من خلال تخصيص 4.7 ملايين دولار لتمويل تدخلات إنسانية عاجلة، من بينها مليونا دولار تم الإفراج عنهما من الاحتياطي الطارئ بهدف مواجهة المخاطر المرتبطة بالجفاف والحد من احتمالات تفاقم أزمة الغذاء.
وأكدت الأمم المتحدة أن معالجة الأزمة الإنسانية في الصومال تتطلب مزيجًا من الاستجابة العاجلة والحلول طويلة الأمد، مشددة على أهمية تعزيز الاستثمار في قطاعات المياه والزراعة والثروة الحيوانية، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، ودعم المجتمعات المحلية التي تواجه تأثيرات التغير المناخي بصورة مباشرة.
ويرى مراقبون أن استمرار الأزمات المناخية والإنسانية في الصومال يؤكد ضرورة الانتقال من نهج الاستجابة المؤقتة إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للصمود، تقوم على تعزيز قدرات المؤسسات المحلية، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية، وتوسيع الشراكات التنموية، بما يضمن حماية السكان وتقليل آثار الكوارث المستقبلية.
تواجه الصومال منذ سنوات تحديات إنسانية متكررة نتيجة موقعها في منطقة القرن الأفريقي الأكثر تأثرًا بالتغيرات المناخية، حيث شهدت موجات جفاف قاسية أعقبتها في بعض المناطق فيضانات مدمرة، ما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي والحيواني وزيادة أعداد النازحين وارتفاع مستوى الاحتياجات الإنسانية.
وتؤكد المؤسسات الإنسانية والتنموية أن مستقبل الاستقرار في الصومال يرتبط بقدرتها على تعزيز التنمية المستدامة، وبناء أنظمة أكثر فعالية لإدارة المخاطر، ودعم المجتمعات المحلية اقتصاديًا واجتماعيًا، بما يساعدها على مواجهة الصدمات المناخية والإنسانية المتكررة والانتقال نحو مرحلة أكثر استقرارًا وقدرة على الصمود.













