مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في خطوة جديدة ضمن مسارها المتواصل نحو تعزيز مؤسساتها الوطنية وتطوير منظومتها التعليمية، أعلنت الصومال عن إصلاحات واسعة تهدف إلى تنظيم قطاع التعليم الإسلامي وإعادة هيكلته ضمن إطار مؤسسي أكثر وضوحًا، في مسعى يجمع بين الحفاظ على مكانة التعليم الديني المتجذرة في المجتمع وبين متطلبات الدولة الحديثة القائمة على التنظيم والجودة والاعتماد. وتسعى هذه الإصلاحات إلى الانتقال بالتعليم الإسلامي من صورته التقليدية إلى منظومة أكثر تكاملًا، تضمن استمرارية دوره التاريخي، وتوفر في الوقت نفسه معايير موحدة ترفع من كفاءة المؤسسات التعليمية والعاملين فيها.
وجاء الإعلان عن هذه الإصلاحات على لسان رئيس الوزراء حمزة عبدي بري خلال حفل تخريج الدفعة الأولى من برنامج الماجستير في الدعوة والقضاء بالمعهد العالي لشؤون الدعوة والدراسات الإسلامية التابع للجامعة الوطنية الصومالية، حيث أكد أن الحكومة وضعت أجندة إصلاحية شاملة لا تقتصر على تنظيم التعليم الإسلامي فقط، بل تمتد إلى تعزيز المؤسسات الدينية، وتحديث الإدارة العامة، ودعم مسار بناء الدولة، إلى جانب مواصلة الحوار السياسي حول الإصلاحات الوطنية، بما فيها الإصلاحات المرتبطة بالعملية الانتخابية.
وأوضح رئيس الوزراء أن الحكومة اعتمدت لأول مرة في تاريخ البلاد سياسة وطنية متكاملة لتنظيم التعليم الإسلامي، مؤكدًا أن هذه السياسة تمثل تحولًا مهمًا في طريقة تعامل الدولة مع المؤسسات التعليمية الدينية. وأشار إلى أن الهدف الأساسي يتمثل في إدماج الكتاتيب القرآنية داخل النظام التعليمي الرسمي في الصومال، بعد أن ظلت لعقود طويلة تؤدي دورًا بارزًا في تعليم القرآن الكريم والعلوم الدينية، اعتمادًا على جهود المجتمع والمرجعيات المحلية.
وأشار بري إلى أن الإصلاحات الجديدة ستمنح الكتاتيب القرآنية اعترافًا رسميًا باعتبارها مؤسسات تعليمية وطنية، وذلك من خلال وضع مناهج موحدة، واعتماد نظام واضح للشهادات والاعتماد الأكاديمي، إلى جانب إخضاعها لإشراف حكومي يهدف إلى تنظيم عملها وضمان جودة التعليم المقدم للطلاب. وأضاف أن هذه الخطوة ستسهم في تعزيز الثقة بهذه المؤسسات، وفتح المجال أمام تطويرها بما يتوافق مع احتياجات المجتمع ومتطلبات النظام التعليمي الوطني.
وأكد رئيس الوزراء أن هذا التوجه لا يستهدف تغيير طبيعة التعليم القرآني أو التقليل من قيمته الدينية والاجتماعية التي حافظ عليها عبر التاريخ، وإنما يهدف إلى دعمه وتطويره من خلال إدخاله ضمن إطار مؤسسي منظم يضمن للطلاب الحصول على تعليم ديني أكثر جودة، ويمنح المؤسسات التعليمية التقليدية أدوات أفضل للاستمرار والتطور. وأوضح أن تنظيم هذا القطاع يمثل جزءًا من مسؤولية الدولة تجاه التعليم بجميع مكوناته، بما يحقق التوازن بين الأصالة والتحديث.
وفي إطار إعادة توزيع المسؤوليات الحكومية وتعزيز التنسيق المؤسسي، أعلن بري أن الإشراف على الكتاتيب القرآنية سينتقل من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى وزارة التعليم، بهدف توحيد السياسات التعليمية وربط مختلف المؤسسات التعليمية ضمن رؤية وطنية واحدة. كما كشف عن توجه الحكومة لوضع معايير مهنية جديدة لمعلمي الكتاتيب القرآنية، تشمل برامج تدريب رسمية وتأهيلًا معترفًا به، بما يساعد على رفع مستوى الأداء التعليمي وتحسين البيئة التعليمية للطلاب.
وعلى صعيد تطوير المؤسسات الدينية وتعزيز المرجعية العلمية، أعلن رئيس الوزراء عن مشروع إنشاء المجلس الأعلى للعلماء الصوماليين، ليكون هيئة وطنية تضطلع بمهمة إصدار التوجيهات والفتاوى الدينية الموحدة، بما يسهم في تعزيز التنظيم المؤسسي للشأن الديني والحد من التباين الناتج عن الاجتهادات الفردية. وأوضح أن مشروع القانون الخاص بإنشاء المجلس حصل على موافقة مجلس الوزراء، وينتظر استكمال الإجراءات التشريعية اللازمة أمام البرلمان.
وأضاف بري أن الحكومة تعمل على إنشاء مقر دائم للمجلس الأعلى للعلماء، يضم مكاتب متخصصة ومكتبات ومرافق بحثية تخدم العلماء والباحثين، مؤكدًا أن الدولة تتحمل مسؤولية تنظيم الإرشاد الإسلامي الرسمي بطريقة تعزز دور المؤسسات الدينية وتحافظ على القيم الدينية والثقافية التي تميز المجتمع الصومالي.
كما أعلن رئيس الوزراء عن إطلاق نظام تسجيل رقمي شامل يغطي الكتاتيب القرآنية والمعاهد الإسلامية والجامعات، بهدف توثيق المؤسسات التعليمية والتحقق من المؤهلات الأكاديمية للطلاب، وتعزيز مستوى الشفافية والرقابة في قطاع التعليم. وأوضح أن إنشاء قاعدة بيانات وطنية للتعليم الإسلامي سيساعد الحكومة على التخطيط بشكل أكثر دقة، ووضع سياسات مستقبلية تستند إلى معلومات واضحة حول واقع المؤسسات التعليمية واحتياجاتها.
ودعا بري الجامعات والمؤسسات الأكاديمية إلى التركيز على إعداد كوادر متخصصة قادرة على تلبية الاحتياجات المتغيرة للصومال، مشيرًا إلى أهمية تخريج خبراء وقضاة يمتلكون المعرفة في مجالات حديثة، من بينها القانون البحري، والنزاعات المرتبطة بقطاع النفط، والجرائم المالية، والمراجعة المحاسبية، إضافة إلى متخصصين في الفقه الإسلامي قادرين على التعامل مع القضايا المعاصرة التي تواجه الدولة والمجتمع.
وأكد رئيس الوزراء أن هذه الإصلاحات تأتي ضمن رؤية حكومية أوسع تهدف إلى بناء الدولة وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة وتنفيذ الخطط التنموية طويلة الأجل. وأقر بأن طريق الإصلاح لن يخلو من التحديات والعقبات، لكنه شدد على أن توجه الحكومة واضح ومستمر نحو تطوير مؤسسات الدولة، وتحسين أساليب إدارتها، وبناء نظام أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين واحتياجات البلاد المستقبلية.
يشكل التعليم الإسلامي جزءًا أساسيًا من الهوية الثقافية والاجتماعية للصومال، حيث لعبت الكتاتيب القرآنية عبر التاريخ دورًا محوريًا في تعليم القرآن الكريم والعلوم الدينية، وأسهمت في تكوين أجيال متعاقبة من العلماء والمثقفين. وقد ظلت هذه المؤسسات تمثل أحد أهم روافد التعليم في المجتمع، مستندة إلى ارتباطها العميق بالقيم الدينية والتقاليد الاجتماعية.
ومع تطور مؤسسات الدولة الحديثة، برزت الحاجة إلى إيجاد إطار تنظيمي يوازن بين الحفاظ على هذا الإرث الديني والتعليمي وبين تطبيق معايير الجودة والاعتماد والرقابة. وتعكس الإصلاحات الجديدة توجه الصومال نحو بناء منظومة تعليمية أكثر تنظيمًا وتكاملًا، تجمع بين أصالة التعليم الإسلامي وروح التطوير المؤسسي، بما يعزز دور التعليم في دعم الاستقرار والتنمية وبناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات.














