غروي – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في تطور أمني جديد يعكس حساسية المشهد السياسي والعسكري في شمال شرقي الصومال، أعلنت سلطات ولاية بونتلاند، اليوم الأربعاء، انتهاء العملية العسكرية التي نفذتها قواتها في الجهة الشرقية من مدينة غالكعيو، مؤكدة إحكام سيطرتها على معسكر تابع لـقوة أمن بونتلاند، التي تقول الولاية إنها أصبحت تعمل تحت قيادة الحكومة الفيدرالية الصومالية.
وجاء الإعلان عقب ساعات من مواجهات عنيفة استخدمت فيها قذائف الهاون والأسلحة الرشاشة الثقيلة، في واحدة من أكثر المواجهات حدة التي شهدتها المدينة خلال الأشهر الأخيرة، وسط أنباء عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين والعسكريين، وارتفاع المخاوف من انعكاسات التصعيد على الأمن والاستقرار في المنطقة.
وأثارت التطورات الميدانية حالة من القلق الواسع بين سكان غالكعيو، الذين استيقظوا على أصوات الانفجارات والقصف المتبادل، بينما شهدت الأحياء القريبة من مواقع الاشتباكات حركة نزوح محدودة وإغلاقًا لعدد من المحال التجارية، في ظل استمرار انتشار القوات الأمنية على الطرق الرئيسية والمناطق المحيطة بمسرح العمليات.
اشتباكات عنيفة وقصف بالهاون
وأفادت مصادر محلية بأن الاشتباكات اندلعت منذ ساعات الفجر الأولى في شرق مدينة غالكعيو، حيث تبادلت قوات بونتلاند وقوات قوة أمن بونتلاند، التي تتهمها سلطات الولاية بالعمل تحت قيادة الحكومة الفيدرالية الصومالية، قصفًا مكثفًا بقذائف الهاون والأسلحة الثقيلة.
وأكد شهود عيان أن دوي الانفجارات سُمع في مناطق واسعة من المدينة، فيما شوهدت أعمدة كثيفة من الدخان الأسود تتصاعد من محيط مطار الجنرال عبد الله يوسف، الذي يضم مواقع تتمركز فيها القوات المستهدفة، الأمر الذي أثار حالة من الذعر بين السكان، ودفع العديد من الأسر إلى التزام منازلها خشية امتداد الاشتباكات إلى الأحياء السكنية.
وأضافت المصادر أن عدداً من قذائف الهاون سقطت في حي بولو دورا خلال الساعات الأولى من صباح الأربعاء، غير أن الظروف الأمنية حالت دون التحقق الفوري من الجهة التي أطلقتها أو حصر الأضرار بصورة دقيقة، بينما واصلت سيارات الإسعاف التحرك بين عدد من المواقع المتضررة.
بونتلاند: العملية حققت أهدافها بالكامل
وفي بيان رسمي، أعلنت قيادة شرطة بونتلاند أن قواتها نفذت عملية عسكرية وصفتها بـ”المخطط لها”، استهدفت معسكرًا تتمركز فيه قوات سبق أن أعلنت انضمامها إلى القوات المسلحة التابعة للحكومة الفيدرالية الصومالية.
وأضاف البيان أن العملية انتهت بسيطرة قوات بونتلاند على المعسكر الواقع شرق غالكعيو، مؤكدًا أن القوات ستواصل تنفيذ مهامها الرامية إلى حماية الأمن والنظام العام، ومنع أي محاولات لزعزعة الاستقرار داخل مناطق الولاية.
كما أشارت السلطات إلى أن العملية تأتي ضمن سلسلة إجراءات أمنية قالت إنها تستهدف حماية مؤسسات الولاية وتعزيز الأمن، مؤكدة أن الأجهزة المختصة ستواصل تقييم نتائج العملية، على أن تُعلن تفاصيل إضافية بعد انتهاء الإجراءات الميدانية.
الزعيم سعيد عبد الله دني يشيد بالقوات
وأشاد زعيم ولاية بونتلاند، السيد سعيد عبد الله دني، بالقوات والضباط الذين شاركوا في تنفيذ العملية، واصفًا ما تحقق بأنه إنجاز ميداني ورسالة واضحة لكل من يحاول، بحسب تعبيره، تنفيذ أوامر لا تصدر عن المؤسسات الرسمية في بونتلاند.
وقال دني إن القوات استهدفت معسكرًا قال إن الحكومة الفيدرالية ظلت خلال الفترة الماضية تنقل إليه أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية، مؤكدًا أن حماية أمن بونتلاند والدفاع عن مؤسساتها يمثلان أولوية لا يمكن التهاون فيها.
كما دعا جميع الضباط والعسكريين الذين سبق أن انضموا إلى الحكومة الفيدرالية إلى العودة إلى صفوف قوات بونتلاند قبل اتخاذ إجراءات قانونية بحقهم، مؤكدًا أن أبواب العودة ما تزال مفتوحة أمامهم إذا ما التزموا بالأنظمة والقوانين المعمول بها في الولاية.
ووجّه كذلك رسالة إلى بعض الشخصيات السياسية المعارضة، دعا فيها إلى إبعاد المؤسسة العسكرية عن التجاذبات السياسية، مشددًا على أن الخلافات السياسية ينبغي أن تُعالج عبر الوسائل الدستورية والحوار، وليس من خلال توظيف القوات المسلحة.
خسائر بشرية ومعلومات أولية
وأفادت تقارير محلية بأن الاشتباكات أسفرت عن مقتل مدني وإصابة شخصين آخرين نتيجة سقوط قذائف هاون على عدد من الأحياء السكنية داخل مدينة غالكعيو، في حين أشارت المعلومات الأولية إلى إصابة خمسة جنود من قوات بونتلاند خلال العملية.
كما ذكرت مصادر محلية أن قوات بونتلاند تمكنت، وفقًا لروايتها، من توقيف عدد من عناصر قوة أمن بونتلاند والاستيلاء على كمية من الأسلحة والذخائر داخل المعسكر الذي سيطرت عليه، إلا أن هذه المعلومات لم يتسن التحقق منها من مصادر مستقلة، كما لم تصدر الحكومة الفيدرالية الصومالية أي تعليق رسمي بشأن ما أعلنته سلطات بونتلاند حتى لحظة إعداد هذا الخبر.
هدوء حذر وترقب للتطورات
ومع انحسار حدة الاشتباكات خلال ساعات النهار، عاد الهدوء الحذر إلى أجزاء من مدينة غالكعيو، في وقت واصلت فيه القوات الأمنية انتشارها حول المواقع التي شهدت القتال، تحسبًا لأي تطورات ميدانية جديدة.
ويترقب السكان ما ستؤول إليه الأوضاع خلال الساعات والأيام المقبلة، في ظل استمرار التوتر السياسي والأمني بين الحكومة الفيدرالية وإدارة بونتلاند، وسط دعوات محلية إلى تغليب الحوار وتجنب أي خطوات قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد.
خلفية المشهد
تُعد مدينة غالكعيو واحدة من أكثر المدن الصومالية ارتباطًا بالتوازنات السياسية والأمنية، فهي مدينة مقسمة إداريًا بين ولايتي بونتلاند وغلمدغ، وظلت لسنوات طويلة نقطة تماس بين مختلف القوى المحلية والإقليمية بسبب موقعها الجغرافي وأهميتها الاستراتيجية.
وشهدت المدينة خلال العقود الماضية جولات متعددة من التوترات المسلحة، قبل أن تسهم جهود المصالحة المحلية والحوار بين المكونات الاجتماعية في تحقيق حالة من الاستقرار النسبي، وتحويلها تدريجيًا إلى نموذج للتعايش بين المجتمعات المحلية.
غير أن الخلافات المستمرة حول توزيع الصلاحيات الأمنية في إطار النظام الفيدرالي الصومالي أعادت ملف غالكعيو إلى واجهة الأحداث، خصوصًا مع استمرار الجدل بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات الأعضاء حول مستقبل القوات الأمنية المحلية، وآليات دمجها أو تنظيمها ضمن المؤسسات الوطنية.
ويأتي التصعيد الأخير في وقت تواجه فيه الصومال تحديات أمنية متعددة، من بينها استمرار العمليات العسكرية ضد حركة الشباب وتنظيم داعش، والحاجة إلى تعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات الأمنية بدلًا من انتقال الخلافات السياسية إلى ساحات المواجهة المسلحة.
ويرى مراقبون أن الحفاظ على استقرار غالكعيو يتطلب معالجة جذور الخلافات عبر الحوار السياسي والمؤسساتي، وتعزيز الثقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، بما يضمن حماية المدنيين، ودعم جهود بناء مؤسسات أمنية موحدة، وتوجيه الموارد الوطنية نحو مواجهة التحديات الأمنية والتنموية التي تواجه البلاد.














