غروي – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في خطوة سياسية ودستورية جديدة تعكس استمرار مسار إعادة تنظيم المؤسسات في ولاية بونتلاند، صادق مجلس نواب بونتلاند اليوم الخميس على مقترح إجراء تعديلات على عدد من مواد دستور الولاية، وذلك بعد مناقشات واسعة داخل المؤسسة التشريعية استندت إلى مقترح مقدم من حكومة زعيم الولاية سعيد عبدالله دني. وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه الولاية نقاشات متزايدة حول تطوير النظام السياسي وتعزيز آليات المشاركة الشعبية، خاصة مع استمرار العمل على ترسيخ نموذج الانتخابات المباشرة وفق مبدأ “شخص واحد، صوت واحد”.
وجاءت المصادقة خلال الجلسة الـ22 من الدورة الـ58 لمجلس النواب، التي ترأسها رئيس المجلس عبدالرزاق أحمد سعيد، بحضور نائبي الرئيس الأول محمد بري شيري والثاني محمد محمود عيسى، حيث ناقش أعضاء البرلمان تقرير اللجنة الخاصة المكلفة بدراسة مقترحات تعديل الدستور. وقدمت اللجنة أمام النواب عرضًا مفصلًا تناول المواد المقترحة للتعديل، والأسباب القانونية والسياسية التي تقف خلف هذه المراجعة، قبل أن يفتح المجلس باب النقاش والتداول للوصول إلى قرار نهائي بشأن المقترح.
وأوضحت اللجنة الخاصة أن التعديلات المقترحة تهدف بصورة أساسية إلى تطوير الإطار الدستوري بما يتلاءم مع التحولات السياسية والمؤسساتية التي تشهدها بونتلاند، خصوصًا في الجوانب المرتبطة بالانتخابات، وتعزيز العملية الديمقراطية، وتنظيم بعض الجوانب الإدارية والمالية والقضائية. وأكدت اللجنة أن مراجعة الدستور تأتي في إطار السعي إلى تحديث القوانين المنظمة لعمل مؤسسات الدولة، وضمان انسجامها مع التطورات السياسية والاجتماعية التي شهدتها الولاية خلال السنوات الماضية.
وبحسب النائب ياسين جامع عمر، الذي قدم شرحًا حول تفاصيل المواد التي يشملها التعديل، فإن المقترحات تتعلق بتعديل تسع مواد دستورية، وهي المواد 37، و41، و44، و47، و74، و81، و90، و113، و126. وأوضح أن معظم هذه المواد ترتبط بتنظيم العملية الانتخابية وفق نظام “شخص واحد، صوت واحد”، إضافة إلى بعض القضايا المتعلقة بالإدارة المالية المدنية، وتنظيم الجوانب المرتبطة بالسلطة القضائية ومدد شغل بعض المناصب القضائية.
وفي المقابل، بقيت المادة 79 من دستور بونتلاند، التي تحدد مدة ولاية رئيس الولاية، خارج قائمة التعديلات المقترحة، رغم أنها كانت من أكثر المواد إثارة للنقاش السياسي خلال الفترة الماضية. وكانت قوى المعارضة قد أبدت في وقت سابق مخاوفها من إمكانية تعديل هذه المادة بما قد يؤثر على التوازنات السياسية المتعلقة بمدة الحكم، إلا أن الحكومة لم تدرجها ضمن المقترحات التي عرضت على البرلمان، وفق التوضيحات التي قدمها النائب ياسين جامع عمر.
وشهدت جلسة التصويت دعمًا واسعًا للمقترح داخل مجلس النواب، حيث صوت 41 نائبًا لصالح إجراء التعديلات الدستورية، بينما لم يسجل أي صوت رافض، في حين امتنع أربعة نواب عن التصويت. واعتبر المجلس أن هذه النتيجة تمثل تأييدًا كبيرًا للمقترحات، مؤكدًا أن عملية المصادقة جرت وفق الإجراءات المنصوص عليها في المادة 139 من دستور بونتلاند، التي تحدد الخطوات القانونية المطلوبة لإجراء أي تعديل على الوثيقة الدستورية.
وأكدت رئاسة مجلس النواب أن اعتماد التعديلات يمثل مرحلة مهمة في تطوير النظام الدستوري والمؤسساتي في الولاية، مشيرة إلى أن الهدف من هذه الخطوة هو تعزيز قدرة المؤسسات على مواكبة المتغيرات السياسية، وتهيئة الإطار القانوني المناسب للمرحلة الانتخابية المقبلة. كما شددت على أن تحديث القوانين والأنظمة يجب أن يهدف إلى تعزيز الاستقرار، وتوسيع المشاركة السياسية، وتقوية ثقة المواطنين في المؤسسات العامة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تعمل فيه بونتلاند على إعادة صياغة عدد من جوانب نظامها السياسي والإداري، وسط اهتمام متزايد بملف الانتخابات وتعزيز دور المواطنين في اختيار ممثليهم. ويرى مراقبون أن نجاح الإصلاحات الدستورية لا يرتبط فقط بإقرار التعديلات داخل البرلمان، وإنما بمدى قدرة مختلف القوى السياسية على ضمان تطبيقها بصورة عادلة ومتوازنة، والحفاظ على بيئة سياسية قائمة على الحوار والتوافق واحترام المؤسسات.
كما يشير محللون إلى أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة بونتلاند على إدارة عملية الانتقال نحو نموذج انتخابي أكثر مشاركة، خصوصًا في ظل التحديات التي تواجه الأنظمة السياسية الفيدرالية في الصومال عمومًا، والتي تتطلب تحقيق توازن دقيق بين الإصلاحات الداخلية والحفاظ على الاستقرار السياسي والمؤسسي.
تجدر الإشارة إلى أن دستور بونتلاند يشكل المرجعية القانونية الأساسية لتنظيم مؤسسات الحكم في الولاية منذ تأسيسها عام 1998، وقد خضع خلال العقود الماضية لنقاشات ومراجعات سياسية متعددة بهدف تطويره بما يتناسب مع التحولات التي شهدتها الولاية والصومال بشكل عام. وظلت ملفات الانتخابات، وتوزيع الصلاحيات بين السلطات، وتنظيم العلاقة بين المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية، من أبرز القضايا التي أثارت اهتمام القوى السياسية والمجتمعية. ومع توجه بونتلاند نحو تعزيز المشاركة الشعبية والانتقال التدريجي إلى نموذج “شخص واحد، صوت واحد”، برزت الحاجة إلى تحديث الإطار الدستوري بما يضمن وضوح القواعد المنظمة للعملية السياسية. ويرى مراقبون أن نجاح هذه الإصلاحات سيعتمد على مدى التزام جميع الأطراف بالحوار الوطني، واحترام الإجراءات الدستورية، وتحويل التعديلات القانونية إلى أدوات لتعزيز الحكم الرشيد والاستقرار السياسي والتنمية المؤسسية في الولاية.














