نيروبي – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
على الرغم من استمرار الخلافات السياسية بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وسلطات صوماليلاند، أكد رئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله عرو أن السلام والحوار يمثلان أولوية لحكومته، داعيًا إلى أن تستند أي جهود تفاوضية جديدة إلى تنفيذ الاتفاقات والتفاهمات التي توصل إليها الطرفان خلال جولات الحوار السابقة. وقال عرو إن إعادة إطلاق المفاوضات دون معالجة ما تم الاتفاق عليه سابقًا قد تبقي العملية السياسية في دائرة متكررة، مؤكدًا أن الحوار، من وجهة نظره، ينبغي أن يقترن بالتزام واضح بالاتفاقات واحترام متبادل بين الطرفين.
وجاءت تصريحات عرو، يوم الجمعة، خلال لقاء عقده في العاصمة الكينية نيروبي مع ممثلين عن المجتمع الدولي، حيث تناول مستقبل العلاقة بين مقديشو وهرجيسا، إلى جانب التطورات المتعلقة بالنزاع في لاسعانود. وأكد أن حكومته تواصل دعمها لمسار سياسي يقوم على الحوار والمصالحة والتوافق، مشددًا على استعدادها للبحث عن حلول سلمية للخلافات القائمة. ويأتي هذا الموقف في وقت تتواصل فيه الدعوات إلى الحفاظ على قنوات الاتصال بين الجانبين، رغم استمرار التباين بشأن عدد من الملفات السياسية والأمنية.
اتفاقات سابقة تنتظر التنفيذ
وانتقد عرو ما وصفه بتركيز الجهود الدولية بصورة أساسية على إقناع الطرفين بالعودة إلى طاولة المفاوضات، مشيرًا إلى أن مقديشو وهرجيسا خاضتا خلال أكثر من عقد عدة جولات من الحوار، استضافت بعضها تركيا وجيبوتي، وناقشت ملفات متعددة من بينها الأمن والعلاقات السياسية والطيران والتعاون الاقتصادي.
وقال إن صوماليلاند شاركت في تلك الجولات، بحسب روايته، بحسن نية، رغم ما وصفه بالكلفة السياسية للمشاركة، مضيفًا أن بعض التفاهمات التي تم التوصل إليها لم تُنفذ لاحقًا. ودعا الشركاء الدوليين إلى تجاوز مرحلة الدعوة إلى استئناف الحوار، والاهتمام كذلك بمتابعة تنفيذ الاتفاقات القائمة، بما يساعد على بناء الثقة وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة لأي مفاوضات مستقبلية.
ويرى عرو أن تنفيذ الاتفاقات السابقة يمكن أن يشكل اختبارًا لجدية المسار التفاوضي، خصوصًا أن استمرار الخلاف حول بعض التفاهمات يضعف، من وجهة نظره، فرص بناء الثقة بين الجانبين. ومن شأن الاتفاق على آليات واضحة لمتابعة التنفيذ ومعالجة نقاط الخلاف أن يمنح أي حوار جديد أساسًا أكثر عملية، بدل الاكتفاء بإعادة طرح الملفات التي سبق بحثها.
المجال الجوي ملف حساس
واستشهد عرو بملف إدارة المجال الجوي الصومالي باعتباره أحد الأمثلة التي يرى أنها تعكس عدم تنفيذ بعض التفاهمات السابقة. ويأتي هذا الملف ضمن مجموعة من القضايا الفنية والسياسية التي ظلت حاضرة في العلاقة بين مقديشو وهرجيسا، إلى جانب ملفات الأمن والعلاقات السياسية والتعاون الاقتصادي.
وتتسم قضايا الطيران والمجال الجوي بحساسية خاصة بسبب ارتباطها بترتيبات فنية ومؤسسية، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى تفاهمات دقيقة بين الأطراف المعنية. وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل إحراز تقدم في الملفات العملية والفنية مجالًا لبناء الثقة تدريجيًا، حتى في ظل استمرار الخلاف حول القضايا السياسية الأساسية.
وأكد عرو أن الحوار المستدام يحتاج إلى احترام متبادل واحترام الاتفاقات، معتبرًا أن الالتزام بما يتم التوصل إليه يمثل عنصرًا أساسيًا في ضمان استمرار العملية السياسية وتحويل نتائج المفاوضات إلى خطوات قابلة للتطبيق.
لاسعانود ومسار المصالحة
وفي ما يتعلق بالنزاع في لاسعانود، جدد عرو التأكيد على أن حكومته تؤيد حلًا سياسيًا يقوم على الحوار والمصالحة والتوافق، داعيًا المجتمع الدولي إلى دعم ما وصفه بحل تقوده صوماليلاند.
وتظل لاسعانود ومناطق سول من أكثر الملفات حساسية في المشهد السياسي والأمني، في ظل تداخل الاعتبارات المحلية والسياسية والأمنية. ولذلك فإن الوصول إلى تسوية مستدامة لا يرتبط فقط بوقف التوتر، وإنما يتطلب بحث قضايا الإدارة والتمثيل السياسي والأمن، إلى جانب إتاحة مساحة للمكونات المحلية للمشاركة في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل المنطقة.
كما أن نجاح أي مسار للمصالحة سيعتمد على قدرة الأطراف المعنية على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية، وعلى معالجة العوامل التي قد تؤدي إلى تجدد التوتر. ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين الحوار السياسي والمصالحة المحلية، بما يتيح معالجة جذور الخلافات إلى جانب التعامل مع تداعياتها.
خلاف سياسي لم يُحسم
وتعود جذور الخلاف بين مقديشو وهرجيسا إلى إعلان صوماليلاند انفصالها عن الصومال عام 1991 وسعيها منذ ذلك الحين للحصول على اعتراف دولي، في حين تتمسك الحكومة الفيدرالية الصومالية بموقفها القائم على وحدة الأراضي الصومالية واعتبار صوماليلاند جزءًا من الدولة الصومالية.
وعلى مدى أكثر من عقد، بحث الطرفان خلال جولات الحوار المتقطعة مجموعة من الملفات السياسية والفنية والأمنية، إلا أن تلك المفاوضات لم تتمكن من حسم الخلاف الأساسي المتعلق بالوضع السياسي لصوماليلاند.
ويظل هذا الخلاف جوهر التباين بين الطرفين، إذ ينطلق كل منهما من رؤية مختلفة لطبيعة العلاقة ومستقبلها. ومع ذلك، فإن استمرار قنوات الاتصال والحوار يمكن أن يوفر فرصة للبحث عن تفاهمات تدريجية في القضايا التي يمكن تحقيق تقدم فيها، حتى مع بقاء الملفات الأكثر حساسية بحاجة إلى مسار سياسي أطول.
خلفية المشهد:
يمثل الخلاف بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وسلطات صوماليلاند أحد الملفات السياسية الأكثر استمرارًا في منطقة القرن الإفريقي، وقد شهد جولات متعددة من الحوار دون التوصل إلى تسوية نهائية بشأن الوضع السياسي. وبينما تتمسك مقديشو بوحدة الصومال، تسعى هرجيسا إلى تثبيت موقفها السياسي والحصول على اعتراف دولي. وفي ظل استمرار هذا التباين، تبدو إعادة بناء الثقة وتنفيذ التفاهمات السابقة ومعالجة القضايا العملية، إلى جانب البحث عن مسار سياسي للتوتر في لاسعانود، عوامل أساسية أمام أي محاولة جديدة لإعادة إطلاق حوار أكثر استقرارًا وقابلية لتحقيق نتائج ملموسة.














