مركا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
يواجه قطاع إنتاج الموز في الصومال تحديات متزايدة تهدد قدرة المزارعين المحليين على الوصول إلى الأسواق والمنافسة، في وقت تشهد فيه الأسواق الصومالية، وخاصة العاصمة مقديشو، تدفق كميات من الموز المستورد من دول الجوار، بينما يكافح المنتجون المحليون في مناطق زراعية مهمة مثل جنالي وبولو مرير في إقليم شبيلي السفلى للوصول إلى المستهلكين بسبب ارتفاع تكاليف النقل، والرسوم المتعددة، والقيود الأمنية التي تؤثر على حركة التجارة الداخلية.
وتشير بيانات التجارة الدولية (كوم تريد) التابعة للبنك الدولي إلى ارتفاع اعتماد الصومال على واردات الموز من الخارج، حيث صدّرت كينيا إلى الصومال خلال عام 2024 موزًا بقيمة بلغت نحو 64 ألف دولار أمريكي، بكمية تقدر بحوالي 1,058 كيلوغرامًا. كما بلغت قيمة واردات الصومال من الموز القادم من إثيوبيا وكينيا مجتمعتين نحو 2.84 مليون دولار أمريكي، حيث استحوذت إثيوبيا على الجزء الأكبر من الإمدادات، بينما سجلت اليمن صادرات محدودة إلى السوق الصومالية بقيمة تقارب 3,990 دولارًا أمريكيًا.
وتأتي هذه التطورات في وقت تمتلك فيه الصومال تاريخًا طويلًا في إنتاج الموز وتصديره، إذ كان هذا المحصول من أبرز المنتجات الزراعية التي دعمت الاقتصاد الوطني خلال العقود الماضية. وكانت منطقة جانالي في إقليم شبيلي السفلى مركزًا رئيسيًا لصناعة الموز، حيث كانت تضم مساحة زراعية واسعة تقدر بنحو 20 ألف هكتار، وأسهمت في جعل الصومال واحدة من الدول الإفريقية المهمة في إنتاج وتصدير الموز إلى الأسواق الإقليمية والدولية قبل أن يتراجع القطاع بسبب الظروف السياسية والأمنية التي مرت بها البلاد.
ويواجه مزارعو الموز المحليون تحديات كبيرة خلال عملية نقل الإنتاج من المزارع إلى الأسواق، حيث تؤدي نقاط التفتيش المنتشرة في بعض الطرق، والمعروفة محليًا باسم “إسبارو”، إلى زيادة الأعباء المالية على المنتجين والتجار. كما أن الرسوم التي تُفرض في بعض المناطق الزراعية والتجارية، بما فيها المدفوعات التي تطالب بها حركة الشباب في مناطق نفوذها، ترفع تكاليف الإنتاج والنقل، الأمر الذي ينعكس على أسعار الموز المحلي ويضعف قدرته على منافسة المنتجات المستوردة التي تصل إلى الأسواق بتكاليف أقل.
ورغم الجهود الأمنية التي نفذتها القوات الصومالية وبعثة دعم الاتحاد الإفريقي في الصومال (أوصوم) لإزالة عدد من نقاط التفتيش غير القانونية حول مناطق الإنتاج، إضافة إلى العمليات التي استهدفت مواقع جمع الأموال غير الرسمية في إقليم شبيلي السفلى، فإن التحديات المرتبطة بالنقل والوصول إلى الأسواق لا تزال تشكل عقبة أمام استعادة قطاع الموز المحلي لدوره السابق، خاصة في ظل الحاجة إلى تطوير الطرق الزراعية وتحسين بيئة التجارة الداخلية.
وفي محاولة لتعزيز حركة التجارة بين البلدين، تعمل الصومال وكينيا على مناقشة اتفاقية لتسهيل التجارة تهدف إلى معالجة العقبات غير الجمركية، وتقليل الرسوم غير المنتظمة، وتحسين الإجراءات التجارية. كما وقعت مؤسسات تجارية من البلدين مذكرة تفاهم في يناير 2025 لتعزيز التعاون الاقتصادي وفتح فرص جديدة أمام القطاع الخاص، بما يساعد على تطوير العلاقات التجارية والاستفادة من الإمكانات المشتركة.
ولا تقتصر التحديات التي تواجه قطاع الموز الصومالي على مشكلات التسويق والنقل فقط، بل تشمل أيضًا جوانب الإنتاج الزراعي وما بعد الحصاد. وتشير دراسات متخصصة إلى أن نسبة كبيرة من العاملين في مزارع الموز بالمنطقة تفتقر إلى المعرفة الكافية بأساليب الزراعة الحديثة، حيث أظهرت إحدى الدراسات أن نحو 48.5% من العاملين في المزارع لديهم معرفة محدودة بزراعة الموز، ما يؤثر على الإنتاجية وجودة المحصول، إلى جانب تأثيرات النزاعات المسلحة وخلافات الأراضي التي أدت إلى تضرر عدد من المزارع في إقليم شبيلي السفلى.
ويرى خبراء القطاع الزراعي أن إعادة إحياء صناعة الموز في الصومال تتطلب خطة وطنية متكاملة تركز على تحسين الأمن في المناطق الزراعية، وتطوير البنية التحتية للنقل، وتوفير التدريب والإرشاد الزراعي، ودعم المزارعين بالتقنيات الحديثة والتمويل اللازم. وأكدوا أن البلاد ما تزال تمتلك مقومات كبيرة لاستعادة مكانتها السابقة في هذا المجال، بالنظر إلى توفر الأراضي الخصبة والموارد المائية والمناخ الملائم في العديد من المناطق الزراعية.
كما يشير المختصون إلى أن إنعاش قطاع الموز لا يمثل فرصة اقتصادية فحسب، بل يعد جزءًا من جهود تعزيز الأمن الغذائي وخلق فرص العمل وتحسين مستوى معيشة المجتمعات الريفية. وأكدوا أن تمكين المنتج المحلي من المنافسة يحتاج إلى إزالة العوائق التي تواجه حركة التجارة الداخلية، وربط المزارعين بالأسواق بصورة أكثر كفاءة، بما يساهم في تقليل الاعتماد على الواردات الزراعية وزيادة مساهمة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني.
يُعد قطاع الموز في الصومال من القطاعات الزراعية التاريخية التي ارتبطت لعقود طويلة بالاقتصاد الوطني، حيث كانت البلاد قبل اندلاع الحرب الأهلية في أوائل تسعينيات القرن الماضي من بين أبرز منتجي ومصدّري الموز في القارة الإفريقية، وكانت أقاليم مثل شبيلي السفلى وجوبا تشكل مراكز رئيسية للإنتاج بفضل الأراضي الخصبة ووفرة الموارد المائية، كما أسهمت هذه الصناعة في توفير فرص عمل واسعة ودعم دخل آلاف الأسر الزراعية. إلا أن هذا القطاع تعرض خلال السنوات الماضية لانتكاسات كبيرة نتيجة الصراعات المسلحة، وتدهور البنية التحتية، وضعف الاستثمارات الزراعية، وتراجع خدمات الإرشاد والدعم الفني للمزارعين، إضافة إلى التحديات الأمنية التي أثرت على حركة نقل المنتجات من مناطق الإنتاج إلى الأسواق. ومع استمرار جهود إعادة بناء الاقتصاد الصومالي وتعزيز التنمية الريفية، تبرز الحاجة إلى إعادة تأهيل قطاع الموز عبر تحسين بيئة الاستثمار الزراعي، وتطوير شبكات النقل والتسويق، ودعم المزارعين بالتقنيات الحديثة والخبرات اللازمة، بما يمكّن الصومال من استعادة موقعها السابق في إنتاج وتصدير الموز، وتحويل هذا المحصول إلى أحد محركات النمو الاقتصادي وتعزيز الأمن الغذائي في البلاد.














