مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
على الرغم من التراجع الكبير الذي شهدته أعمال القرصنة قبالة السواحل الصومالية خلال السنوات الماضية، عادت الهجمات البحرية إلى الواجهة مجددًا بعد الاستيلاء على ناقلة نفط مرتبطة بإيران قبالة السواحل اليمنية وتحويل مسارها باتجاه الصومال، في حادثة تعيد المخاوف بشأن أمن الملاحة في خليج عدن والمياه المحيطة بالقرن الإفريقي، وسط بيئة أمنية إقليمية تشهد اضطرابات متزايدة.
وقالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ناقلة النفط «سيبو 1»، التي ترفع علم إريتريا، تعرضت، الخميس 20 أغسطس/آب 2026، لعملية استيلاء نفذها ستة مسلحين قبالة الساحل اليمني، قبل أن يُحوَّل مسارها باتجاه الصومال. وجاء الحادث في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعدًا في المخاطر البحرية، ولا سيما في البحر الأحمر وخليج عدن، حيث أدت التوترات الأمنية الإقليمية إلى زيادة الضغوط على حركة السفن التجارية ورفع مستوى الاهتمام الدولي بأمن الممرات البحرية.
وكانت الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على الناقلة في ديسمبر الماضي، بدعوى ارتباطها بما تصفه بـ«أسطول الظل» المستخدم في نقل منتجات نفطية إيرانية في محاولة للالتفاف على العقوبات الأمريكية. ويمنح هذا التصنيف الحادثة بُعدًا إضافيًا، إلا أن المعلومات المتاحة لا تثبت أن صلة الناقلة بإيران أو إدراجها على قائمة العقوبات كانا سببًا مباشرًا وراء استهدافها.
وبحسب بيانات المكتب الدولي البحري وتقارير هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، فإن «سيبو 1» كانت على الأقل السفينة الثالثة عشرة التي تتعرض لهجوم هذا العام قبالة السواحل الصومالية أو في خليج عدن، مقارنة بخمس هجمات سجلت خلال عام 2025 بأكمله. ويعكس هذا الارتفاع تحولًا لافتًا في مستوى المخاطر البحرية، بعدما نجحت جهود أمنية وبحرية دولية واسعة في الحد بدرجة كبيرة من نشاط القرصنة الصومالية، التي كانت تمثل تهديدًا رئيسيًا للتجارة البحرية الدولية.
وتعود ذروة القرصنة الصومالية إلى الفترة بين عامي 2008 و2014، عندما نفذ القراصنة مئات الهجمات في غرب المحيط الهندي وخليج عدن، واختطفوا سفنًا وأفرادًا من أطقمها وطالبوا بفدى مالية ضخمة، ما تسبب في خسائر اقتصادية كبيرة للتجارة الدولية. وأسهمت الاستجابة البحرية الدولية المنسقة، إلى جانب الإجراءات الأمنية التي اعتمدتها شركات الملاحة، في خفض الهجمات بصورة حادة، كما تراجعت موجة من عمليات الاختطاف التي ظهرت مجددًا خلال عامي 2023 و2024 بعد تدخلات بحرية مكثفة.
ويرى خبراء في الأمن البحري أن القرصنة لم تُستأصل بصورة نهائية، وإنما جرى احتواؤها بفعل الضغوط الأمنية، بينما ظلت بعض أسبابها الاقتصادية والأمنية قائمة، خصوصًا في المناطق الساحلية التي تعاني ضعف فرص العمل وهشاشة سبل المعيشة. كما أشار خبراء إلى عوامل إقليمية قد تكون أسهمت في تصاعد الهجمات، من بينها ارتفاع أسعار النفط، الذي قد يجعل ناقلات الطاقة أهدافًا أكثر جاذبية، وإعادة توجيه بعض القدرات البحرية الدولية نحو البحر الأحمر ومضيق هرمز للتعامل مع تهديدات مرتبطة بالتوترات الإقليمية.
وفي السياق ذاته، ظهرت تكهنات بشأن وجود صلات بين قراصنة صوماليين وشبكات إجرامية يمنية تنشط في تهريب الأسلحة والبشر، خصوصًا بعد تسجيل عمليات استيلاء على سفن قرب الساحل اليمني. غير أن الربط المباشر بين هذه العمليات وجماعة الحوثيين لا يزال محل نقاش، إذ يرى بعض الخبراء أن وجود علاقات بين شبكات إجرامية يمنية وصومالية لا يعني بالضرورة وجود تنسيق مباشر في جميع عمليات الاختطاف الأخيرة.
وتثير عودة الهجمات البحرية تساؤلات بشأن قدرة الترتيبات الأمنية الحالية على منع تحول الحوادث المتفرقة إلى موجة أوسع من القرصنة، خاصة مع استمرار التوترات في البحر الأحمر وخليج عدن وتغير انتشار القوات البحرية الدولية. كما قد تفرض زيادة الهجمات أعباء إضافية على شركات الشحن والتأمين، وتؤثر في حسابات الملاحة التجارية التي تعتمد على أحد أهم الممرات البحرية التي تربط آسيا بأوروبا عبر باب المندب وخليج عدن.
ترتبط القرصنة الصومالية بعوامل أمنية واقتصادية واجتماعية متداخلة، من بينها ضعف فرص العمل وسبل العيش في بعض المجتمعات الساحلية، إلى جانب هشاشة الأوضاع الأمنية ووجود شبكات للجريمة المنظمة تستفيد من حركة تهريب الأسلحة والبشر. ولذلك، فإن منع عودة القرصنة لا يعتمد على الدوريات البحرية وحدها، بل يتطلب استجابة متكاملة تشمل تعزيز قدرات الحكومة الفيدرالية الصومالية والجهات الأمنية والبحرية في مراقبة السواحل ومكافحة الجريمة المنظمة، وتوسيع التعاون وتبادل المعلومات مع الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، بالتوازي مع دعم المجتمعات الساحلية وتوفير بدائل اقتصادية مستدامة. كما تبرز أهمية استمرار الجهود الدولية لحماية الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر، بما يحول دون استغلال الفراغات الأمنية والاقتصادية لعودة القرصنة إلى مستويات تهدد أمن السفن وأطقمها والتجارة الدولية في المنطقة.














