أديس أبابا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
أعلنت الشرطة الفيدرالية الإثيوبية توقيف 17 شخصًا يُشتبه في انتمائهم إلى واحدة من أخطر شبكات تهريب البشر التي تنشط في منطقة القرن الإفريقي، وذلك خلال عملية أمنية واسعة استهدفت تفكيك تنظيم إجرامي كان يتولى نقل مواطنين إثيوبيين بطرق غير نظامية إلى المملكة العربية السعودية عبر مسارات تمر من جيبوتي واليمن. وأكدت السلطات أن العملية جاءت بعد تحريات استخباراتية ومتابعة أمنية استمرت فترة طويلة، شاركت فيها وحدات متخصصة في مكافحة الجريمة المنظمة، وأسفرت عن كشف شبكة واسعة النطاق ارتبط اسمها بعمليات تهريب واستغلال وابتزاز استمرت لسنوات، وشكلت تهديدًا مباشرًا لأمن المواطنين وسلامتهم.
وقالت الشرطة الإثيوبية إن التحقيقات أظهرت أن الشبكة كانت تعمل ضمن تنظيم محكم يضم وسطاء ومجندين ومهربين موزعين على عدة مناطق، حيث كانت تستدرج الضحايا عبر وعود بالحصول على وظائف ذات رواتب مرتفعة وحياة أفضل خارج البلاد. وأوضحت أن أفراد الشبكة استغلوا الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يواجهها عدد من الشباب، إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة والرغبة في الهجرة، وحولوا تلك الظروف إلى وسيلة لتحقيق أرباح مالية ضخمة من خلال الاتجار بالبشر، عبر عمليات منظمة اعتمدت على الخداع والتضليل والتنسيق بين عدة أطراف داخل وخارج إثيوبيا.
وأوضحت السلطات أن زعيم الشبكة يُدعى محمد طاهر عدن (وُردي)، مشيرة إلى أن التحقيقات كشفت حصول التنظيم على أكثر من مليار بير إثيوبي من ضحاياه، سواء عبر رسوم التهريب أو عمليات الابتزاز اللاحقة. كما أظهرت الأدلة، وفق الشرطة، أن الشبكة نجحت في تهريب أكثر من 40 ألف شخص خلال سنوات نشاطها، وهو رقم يعكس اتساع نطاق عملها، ويجعلها من أكبر شبكات تهريب البشر التي يتم الكشف عنها في إثيوبيا خلال الأعوام الأخيرة، سواء من حيث عدد الضحايا أو حجم الأموال المتحصلة من أنشطتها الإجرامية.
وأضافت الشرطة أن الضحايا كانوا يُنقلون عبر طرق تهريب معقدة وصولًا إلى الأراضي اليمنية، حيث تبدأ مرحلة جديدة من المعاناة. وذكرت أن المهاجرين كانوا يُحتجزون في أماكن مغلقة ويتعرضون للتعذيب وسوء المعاملة والانتهاكات الجسدية والنفسية، بينما يتم استخدامهم كورقة ضغط لابتزاز أسرهم. وأشارت إلى أن هذه الممارسات كانت تتم بصورة ممنهجة، ما يؤكد أن الشبكة لم تكن تقتصر على تهريب الأشخاص فحسب، بل كانت تدير منظومة متكاملة للاستغلال المالي والإنساني.
وبيّنت السلطات أن المحتجزين كانوا يُجبرون على التواصل مع ذويهم للمطالبة بدفع مبالغ مالية كبيرة مقابل إطلاق سراحهم، فيما كان أفراد الشبكة يرسلون مقاطع مصورة توثق عمليات التعذيب لإجبار الأسر على دفع ما يُعرف بـ”الفدية”. وأكدت أن هذه الأساليب تعكس حجم القسوة التي مارستها الشبكة بحق الضحايا، مشيرة إلى أن عدداً من الأسر تعرضت لضغوط نفسية ومالية كبيرة نتيجة هذه الممارسات، بينما اضطر بعض الضحايا إلى البقاء لفترات طويلة في أماكن الاحتجاز في ظل ظروف إنسانية قاسية.
وكشفت التحقيقات أيضًا أن أنشطة الشبكة تسببت في وفاة أكثر من 60 شخصًا خلال مراحل مختلفة من عمليات التهريب والاحتجاز، إضافة إلى تعرض عدد من النساء لانتهاكات جنسية، وهو ما وصفته السلطات بأنه يمثل جرائم جسيمة بحق الضحايا، تستوجب محاسبة جميع المتورطين فيها. وأكدت الشرطة أن هذه الجرائم لا تمثل انتهاكًا للقوانين الوطنية فحسب، بل تشكل انتهاكًا صارخًا للاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الاتجار بالبشر وحماية حقوق الإنسان.
وأكدت الشرطة الفيدرالية الإثيوبية أنها استكملت المرحلة الأولى من التحقيقات، وأحالت ملف القضية إلى وزارة العدل الإثيوبية لبدء الإجراءات القضائية بحق المتهمين، مشيرة إلى أن التحقيقات لا تزال مستمرة لتعقب بقية العناصر المرتبطة بالشبكة داخل إثيوبيا وخارجها. كما شددت على أن التعاون الأمني مع الدول المجاورة سيتواصل من أجل ملاحقة جميع المتورطين في هذه الأنشطة الإجرامية العابرة للحدود.
كما أعلنت السلطات تجميد ممتلكات وأصول المتهمين، بما في ذلك المركبات والحسابات المصرفية، في إطار ملاحقة العائدات المالية الناتجة عن جرائم تهريب البشر، مؤكدة أن الدولة ستواصل ملاحقة جميع الشبكات التي تستغل المواطنين عبر الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، وتجفيف مصادر تمويلها، وتعزيز الإجراءات الرامية إلى حماية المواطنين من الوقوع ضحية لمثل هذه العصابات.
تُعد منطقة القرن الإفريقي واحدة من أبرز بؤر الهجرة غير النظامية في القارة، حيث تستغل شبكات الاتجار بالبشر الأوضاع الاقتصادية والإنسانية لدفع آلاف الأشخاص سنويًا إلى سلوك طرق تهريب محفوفة بالمخاطر نحو دول الخليج، مرورًا بجيبوتي واليمن. وخلال السنوات الأخيرة، كثفت الحكومات الإقليمية، بالتعاون مع المنظمات الدولية، جهودها لمكافحة هذه الشبكات وتعزيز التعاون الأمني وتبادل المعلومات الاستخباراتية، في ظل تزايد التقارير التي توثق الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها المهاجرون على طرق التهريب، بما في ذلك التعذيب والابتزاز والاتجار بالبشر، الأمر الذي يجعل تفكيك مثل هذه الشبكات خطوة مهمة في الحد من هذه الظاهرة، وحماية أرواح آلاف المدنيين، وتعزيز الجهود الإقليمية الرامية إلى مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود.














