نتذكر جميعًا تلك اللحظة التي انتفضنا فيها، تلك الليلة التي أُعلن فيها الاستقلال، وكأن الدنيا وُلدت من جديد. كنا نظن أن الكابوس انتهى، وأننا سنخلع أحذية التعب ونرتدي رداء الكرامة. كنا نظن أن دماء الآباء والأجداد لن تذهب هدرًا، وأن الدولة التي ستُبنى بأيدينا ستكون حضنًا دافئًا، وعلمًا خفاقًا نفتخر به بين الأمم.
لكن شيئًا ما انكسر في الطريق
لم تمر السنوات حتى بدأ ذلك البريق الخلاب يتلاشى. وجدنا أنفسنا أمام وجوهٍ جديدة تحمل الأدوات القديمة نفسها، بل القيود نفسها، ولكن هذه المرة لم تعد القيود بيد أجنبي، بل بيد “أبنائنا”.
بدأ الحلم الجميل يتآكل يومًا بعد يوم، وكأننا في سباق عكسي نحو الوراء. البيت الوطني الذي كنا نرجوه أصبح غرفة باهتة من الخارج، لكنها من الداخل تعج بالعفن والفوضى، تُحاك فيها مؤامرات الهدم، ويُعاد فيها تزييف الحقائق، حتى صرنا لا نعرف من هو العدو ومن هو الصديق.
هنا يكمن السؤال الوجودي الموجع: لماذا ناضلنا؟ ولماذا ضحّى الآلاف بأرواحهم؟
اليوم، يجد المواطن العادي – أنا وأنت – نفسه محكومًا بكابوس جديد. لم نعد نشعر بذلك الفخر الوطني الذي كنا نحلم به في صغرنا. فبدلًا من أن تكون الدولة سندًا لنا، صارت عبئًا ثقيلًا على ظهورنا.
كلما هممنا بالتقدم، شعرنا بأن هناك يدًا خفية تسحبنا إلى الخلف. أصبحنا نخسر هويتنا وإنسانيتنا رويدًا رويدًا، وأصبحنا ننظر إلى صور قادتنا ونتساءل: “هل هؤلاء حقًا من ناضلنا من أجلهم؟”
إنها معاناة لا توصف، أن ترى حلمك يتحول إلى كابوس أمام عينيك. أن ترى “الوطن” الذي ضحّيت بكل شيء من أجله يصبح خيمة مظلمة، تخرج من ثناياها ثعابين النكران والجشع والاستغلال. تلك الخيمة لم تعد تظلنا، بل أصبحت تخنقنا.
الأمر أشبه بأننا خرجنا من نار الاستعمار الحارقة، لنقع في جمر حكامٍ ينهشون أحلامنا. وكلما تقدم بنا العمر، ازداد شعورنا بالغبن والإحباط، وأصبحنا نتمنى لو أننا لم نضع كل آمالنا في هذه اللحظة التاريخية التي تحولت إلى سراب قاتل.
لفهم هذه المعضلة التي تتسم بغموض المعجزة، والدخول في حالة من الحيرة جعلت المواطن يشعر بخيبة أمل وعجز أمام الانتماء المخزي، فإن ذلك يقودنا إلى التفكير الجدي لفهم وتحليل هذا الشلل البنيوي في جميع مستوياته، لخلق بصيص أمل ورؤية للخروج من الجلطة المجتمعية إلى ساحة صناعة الحلول، واستعادة الطاقة الفكرية والإنتاجية لإيجاد وطن نستحقه ونمسك بخيوطه.
فقد أشار المهندس الفرنسي رينيه دومون (René Dumont) في كتابه “إفريقيا السوداء انطلقت في الطريق الخطأ” (L’Afrique noire est mal partie) الصادر عام 1962، إلى أن الاستعمار لم يذهب لكي نبقى أحرارًا ونمتلك زمام أمورنا للنهوض قدمًا، بل إن العملية برمتها كانت – حسب رؤيته – عملية قولبة وإعادة إنتاجها تحت مسميات محلية نحبها ونجلّيها، لكنها في الحقيقة تلعب الدور نفسه بأيدي أبناء الوطن.
فلماذا تتحول النخبة الجديدة إلى أخٍ مستعمر من خلال المواقع التي صممها لها الاستعمار، ليمارسوا الاستعمار المقنع، إن صح التعبير؟ ويمتدون بشرعيتهم من الإرث الاستعماري، ويتلقون تربية مستمرة تحت أقبية متنوعة ومتوازية، منهم السياسيون والأمنيون والعسكريون، ويرتادون أندية مصممة لتعميق الشعور باللانتماء.
حينما تحوّل الأخ إلى مستعمر
إن ما أورده دومون في كتابه لم يكن مجرد نقد عابر للنخب الحاكمة، بل كان فضحًا مؤلمًا لواقع مرير، مفاده أن الاستعمار لم يرحل، وإنما اكتفى بتغيير جلده.
فبدلًا من الأوروبي الذي كان يقبع في القصر الأبيض، صعد إلى الحكم رجلٌ من أبناء البلد نفسه، لكنه لم يأتِ برؤية مغايرة، بل استنسخ الآليات والقيم الاستبدادية ذاتها، وارتدى البدلة ذاتها، وجلس في الكرسي ذاته، وسار على الدرب الوعر ذاته.
وتتسم هذه النخبة بـ:
١. انعزال النخبة واغترابها عن جذورها
ما لبثت النخب الوطنية أن استولت على مقاليد الأمور، حتى أخذت تنأى بنفسها عن الجماهير، وتنسلخ من همومها اليومية. فهي تقيم في القصور الفخمة، وتتنقل في السيارات الفارهة، وتتغذى على الموائد المترفة، بينما لا تزال الغالبية العظمى من الشعب تكابد في أكواخها الطينية، وتصارع الجوع والجهل والأمراض.
لقد تحول هؤلاء الحكام إلى طبقة برجوازية جديدة، تعيش في وهم الغنى والقوة، وتتحدث باللسان الفرنسي وكأنه لسانها الأصلي، وتنسى أنها كانت بالأمس القريب جزءًا من ذلك الفلاح الفقير الذي يكدح في الحقول.
وهكذا اتسعت الهوّة بين الحاكم والمحكوم، وصارت المؤسسات الوطنية مجرد أدوات لخدمة مصالح النخبة، لا لتحقيق طموحات الشعب.
٢. فساد المحسوبية وإحياء العصبيات القبلية
في خضم هذا الانعزال، نشأت ظاهرة خطيرة، ألا وهي عودة الروابط القبلية والعشائرية إلى الواجهة، ولكن بشكل أكثر فتكًا. لقد صار كل مسؤول في الدولة يرى أن أولى واجباته هي خدمة أسرته وعشيرته، لا خدمة الوطن والشعب.
فالمشاريع الحكومية تُمنح لأقرباء الوزراء، والوظائف الكبرى تُوزع على أبناء القبيلة الحاكمة، وأموال الضرائب تُصرف على مشاريع وهمية تعود بالنفع على فئة ضيقة.
وهنا يكمن السؤال الأليم:
ألهذا ناضل الآباء والأجداد؟ ألهذا سالت الدماء؟
ليأتي من ينتسب إلى الوطن، فينهب خيراته باسم الوطنية، ويوزعها على أبناء عمومته، تاركًا المواطن البسيط يتجرع غصص الإحباط والمرارة.
٣. التبعية الفكرية وعبادة النموذج الغربي الاستعماري
أغرب ما لاحظه دومون أن هذه النخب، التي نادت بالاستقلال ورفعت شعار التحرر، بقيت أسيرة العقلية الاستعمارية في أعماقها.
فهي لم تسعَ إلى ابتكار نموذج تنموي خاص بها، بل ظلت تنظر إلى الغرب بعين الإعجاب، وتستورد حلوله دون تمحيص.
فالمستشارون الأجانب ظلوا يملؤون أروقة الوزارات، والمناهج التعليمية ظلت مستنسخة من نظيراتها الأوروبية، والاقتصاد ظل خاضعًا للإملاءات الخارجية، بل إن السيادة الوطنية أصبحت رهينة بالقروض والمساعدات المشروطة.
وفي هذا السياق، يجد المواطن نفسه حائرًا: أهذه الدولة التي ناضلنا من أجلها؟ أم أنها مجرد امتداد للمستعمر القديم بثوب جديد؟
وهكذا، عاشت النخب في انفصام واضح، تخطب في النهار خطابات ثورية حارة، وتنفذ في الليل سياسات استسلامية باردة، وكأنها لا ترى التناقض بين قولها وفعلها، أو أنها تراه ولكنها تتغاضى عنه.
٤. خيبة الأمل وفقدان الأيقونة الوطنية
ولعل أشد ما أصاب المواطن العادي في هذه الرحلة هو شعوره بالغبن، حين رأى دولته التي ضحّى من أجلها بكل غالٍ ونفيس، تتحول إلى كيان يناصبه العداء، أو على الأقل لا يعمل لصالحه.
الدولة التي كان يحلم بأن تكون سنده وعزّه، صارت عبئًا ثقيلًا على كاهله، ونخبتها التي كان يأمل أن ترتقي به، أصبحت تمثل القيد الذي يكبّل حريته.
الخاتمة: استعادة معنى الدولة
إن التحرر الحقيقي لا يكتمل برحيل المستعمر فقط، بل يبدأ ببناء دولة وطنية عادلة يشعر فيها المواطن بالكرامة والانتماء، وتكون مؤسساتها خادمة للمجتمع لا أداة لمصالح فئة محددة. فالدولة التي حلمت بها الشعوب بعد الاستقلال يجب أن تتحول من مجرد رمز سياسي إلى واقع يضمن الحقوق والعدالة والفرص المتساوية.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الدول ما بعد الاستعمارية هو تجاوز إرث الماضي، واستعادة ثقة المواطن بمؤسساته، وبناء نموذج وطني مستقل في فكره وخياراته. فمعنى الاستقلال الحقيقي يكمن في امتلاك الإنسان زمام مستقبله، وصناعة وطن يشعر فيه الجميع بأنهم شركاء في بنائه وحمايته.












