يمثل السلام وسيادة القانون في الصومال اليوم ما هو أكثر من مجرد شعارات سياسية أو أهداف دستورية؛ فهما يشكلان الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة، والضمانة الحقيقية للحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها ومنع انزلاقها نحو أزمات جديدة. وفي ظل الظروف السياسية والأمنية الراهنة، وما يرافقها من جدل حول الاستحقاقات الانتخابية ومستقبل العملية السياسية، تبرز الحاجة الملحة إلى تغليب منطق التوافق الوطني والالتزام بأحكام القانون باعتبارهما المدخل الوحيد لعبور المرحلة الحساسة بأقل الخسائر الممكنة.
لقد أثبتت التجارب الصومالية خلال العقود الماضية أن غياب التوافق السياسي وضعف المؤسسات القانونية يؤديان إلى تفاقم الانقسامات الداخلية، ويخلقان فراغات تستغلها الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة والقوى الساعية إلى تقويض الدولة. لذلك فإن أي خلاف حول الانتخابات أو ترتيبات المرحلة الانتقالية يجب أن يُعالج ضمن الأطر الدستورية والقانونية ومن خلال الحوار السياسي المسؤول، لا عبر التصعيد أو فرض الأمر الواقع، لأن استقرار الدولة ومصالح المواطنين يجب أن تبقى فوق الحسابات الحزبية والشخصية.
وتنبع أهمية سيادة القانون من كونها الضامنَ للمساواة بين المواطنين والمؤسسات، والحارس لشرعية السلطة السياسية. فالدولة التي تُدار وفق القانون تمتلك القدرة على حل النزاعات سلمياً، وتوفير بيئة آمنة للاستثمار والتنمية، وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الحكم. أما عندما تضعف المرجعية القانونية أو تُفسر القوانين وفق المصالح السياسية الضيقة، فإن ذلك يؤدي إلى تآكل الثقة العامة وازدياد احتمالات الصراع وعدم الاستقرار.
كما أن السلام الداخلي لا يقتصر على غياب المواجهات المسلحة، بل يشمل وجود نظام سياسي قادر على إدارة التنافس السياسي بصورة سلمية ومنظمة. فالانتخابات في الدول الخارجة من النزاعات ليست مجرد عملية لتداول السلطة، وإنما هي اختبار لقدرة النخب السياسية على تقديم المصلحة الوطنية على المصالح الفئوية، وإثبات أن الخلاف السياسي يمكن أن يُحسم عبر المؤسسات لا عبر الأزمات والمواجهات.
وفي السياق الصومالي الراهن، تزداد أهمية التوافق السياسي بسبب التحديات الأمنية المعقدة التي تواجه البلاد، وفي مقدمتها استمرار تهديد حركة الشباب، وعودة مظاهر القرصنة البحرية في بعض المناطق الساحلية، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية والإنسانية المتراكمة. وهذه التحديات تتطلب وجود دولة مستقرة ومؤسسات فاعلة وقيادة سياسية موحدة، لا انشغالاً بصراعات داخلية قد تستهلك الموارد والجهود الوطنية في وقت تحتاج فيه البلاد إلى تعزيز الجبهة الداخلية وتوحيد المواقف الوطنية.
ومن هذا المنطلق، فإن التوصل إلى اتفاق سياسي شامل حول الانتخابات البرلمانية والرئاسية وآليات إدارة المرحلة الانتقالية لم يعد مجرد خيار سياسي، بل أصبح ضرورة وطنية ملحة. فالتوافق على قواعد اللعبة السياسية، واحترام المدد والإجراءات القانونية، وضمان مشاركة جميع الأطراف الرئيسية في العملية السياسية، من شأنه أن يعزز الشرعية ويقلل من احتمالات النزاع، ويفتح المجال أمام انتقال سلمي وسلس للسلطة يعكس إرادة الشعب ويحافظ على استقرار الدولة.
إن مستقبل الصومال لا يتوقف فقط على نتائج الانتخابات المقبلة، بل على الكيفية التي تُدار بها هذه المرحلة الحساسة. فالدول تُبنى بالتوافق، وتُحفظ بالعدالة، وتستقر بسيادة القانون. ولذلك فإن المسؤولية التاريخية تقع اليوم على عاتق القيادات السياسية والقوى الوطنية كافة لاتخاذ قرارات شجاعة وحكيمة تُجنب البلاد مخاطر الانقسام والفراغ السياسي، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها السلام والاستقرار واحترام القانون والتداول السلمي للسلطة، بما يعزز فرص بناء دولة صومالية قوية وقادرة على مواجهة تحديات الحاضر وصناعة مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.












