مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الوطني والدولي بمعالجة تحديات الأمن الغذائي في الصومال، أطلق النائب الأول لرئيس الوزراء الصومالي صالح أحمد جامع، الخطة الاستراتيجية القطرية الجديدة لبرنامج الأغذية العالمي في الصومال للفترة 2026–2030، والتي تمثل إطارًا تنمويًا وإنسانيًا يمتد لخمس سنوات، يهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي، وبناء القدرة على الصمود، وتحسين سبل العيش للمجتمعات المتأثرة بالجفاف والتغير المناخي والنزاعات.
وجاء إطلاق الخطة خلال فعالية رسمية احتضنتها العاصمة مقديشو أول أمس الثلاثاء، بتنظيم من برنامج الأغذية العالمي، وبحضور مسؤولين حكوميين رفيعي المستوى، وممثلين عن الأمم المتحدة، وسفراء، وشركاء تنمويين، وأعضاء من الجالية الصومالية في الخارج، وممثلين عن منظمات المجتمع المدني.
وتأتي هذه المبادرة في مرحلة حساسة تواجه فيها الصومال ضغوطًا إنسانية متزايدة نتيجة تداخل عوامل الجفاف المتكرر، والتغيرات المناخية، والنزاعات، وتراجع التمويل الدولي للمساعدات، الأمر الذي جعل تعزيز الأمن الغذائي وبناء القدرة على مواجهة الأزمات من أبرز أولويات الدولة وشركائها الدوليين.
وأكد برنامج الأغذية العالمي أن الخطة الجديدة تستهدف دعم المجتمعات الريفية والحضرية على حد سواء، وتعزيز الاعتماد على الذات، وتطوير حلول مستدامة تتجاوز الاستجابة الطارئة للأزمات نحو بناء أنظمة غذائية أكثر قدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية.
خطة خمسية بقيمة تتجاوز 1.5 مليار دولار
تمثل الخطة الاستراتيجية القطرية لبرنامج الأغذية العالمي في الصومال للفترة 2026–2030 أحد أكبر الأطر التمويلية الموجهة لدعم الأمن الغذائي في البلاد، حيث تبلغ ميزانيتها الإجمالية نحو 1.536 مليار دولار أمريكي خلال السنوات الخمس المقبلة.
وكان المجلس التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي قد اعتمد الخطة في يونيو 2026، في ظل استمرار مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 4.4 مليون صومالي يواجهون مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وتسعى الخطة إلى توجيه الموارد نحو الفئات الأكثر احتياجًا، وتعزيز قدرة الأسر والمجتمعات على التكيف مع الأزمات، إضافة إلى دعم البرامج التي تربط بين المساعدات الإنسانية والتنمية طويلة الأمد.
كما تركز على تحسين سبل العيش، ودعم الأنظمة الغذائية المحلية، وتعزيز قدرة المجتمعات على تجاوز آثار الصدمات المناخية والاقتصادية، بما يقلل من الاعتماد المستمر على التدخلات الإنسانية الطارئة.
تحول استراتيجي نحو الاستدامة والاعتماد على الذات
أوضح برنامج الأغذية العالمي أن الاستراتيجية الجديدة تمثل تحولًا في طبيعة العمل الإنساني داخل الصومال، من خلال الانتقال من التدخلات القائمة على المشاريع المنفصلة إلى برامج أكثر تكاملًا تتمحور حول الإنسان وتعزز دور المؤسسات الوطنية والمجتمعات المحلية.
ويأتي هذا التحول في ظل ارتفاع الاحتياجات الإنسانية واستمرار تأثير النزاعات والكوارث المناخية، إلى جانب الانخفاض التاريخي في الموارد المتاحة للمساعدات الدولية، ما دفع البرنامج إلى البحث عن نماذج أكثر استدامة وفاعلية.
وقال النائب الأول لرئيس الوزراء صالح أحمد جامع إن الحكومة الصومالية تقدر الدور الذي قام به برنامج الأغذية العالمي خلال السنوات الماضية، خاصة في الفترات التي واجهت فيها البلاد أزمات إنسانية حادة.
وأكد أن الخطة لم تُصمم بمعزل عن الأولويات الوطنية، بل جاءت متوافقة مع خطة التحول الوطني الصومالية، وتعكس الاحتياجات الفعلية للشعب الصومالي، مشددًا على أهمية بناء قدرات الدولة والمجتمع للوصول إلى مرحلة الاعتماد على الذات.
وأضاف أن تطلع الحكومة يتمثل في أن يتمكن الصومال مستقبلًا من الوقوف على قدميه وتقليل الحاجة إلى هذا المستوى من المساعدات الإنسانية.
أربعة مسارات لتعزيز الأمن الغذائي
تقوم الخطة الاستراتيجية الجديدة على أربعة مخرجات مترابطة تهدف إلى تحسين الوصول إلى الغذاء، وتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات، ودعم الفئات الأكثر عرضة للخطر.
ويتمثل المسار الأول في ضمان وصول السكان المتضررين من الأزمات إلى المساعدات الغذائية والتغذوية المنقذة للحياة في الوقت المناسب، مع تعزيز قدرتهم على الاستعداد للصدمات والتعامل معها والتعافي من آثارها.
أما المسار الثاني فيركز على دعم السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي أو المعرضين له، خاصة النساء، في المناطق الريفية والحضرية وشبه الحضرية، من خلال تحسين الاعتماد على الذات وتعزيز التغذية والقدرة على الصمود.
وتولي الخطة اهتمامًا خاصًا ببناء أنظمة غذائية أكثر مرونة، وتنويع مصادر الدخل، ودعم برامج الحماية الاجتماعية المرتبطة بالتغذية، باعتبارها أدوات أساسية لمعالجة جذور الأزمة.
كما تهدف إلى تعزيز دور المؤسسات الوطنية والمحلية في إدارة الاستجابة للأزمات، بما يضمن تحقيق نتائج أكثر استدامة على المدى الطويل.
شراكة دولية لدعم التنمية ومواجهة الجوع
شهد حفل إطلاق الخطة تأكيدًا على أهمية الشراكة بين الحكومة الصومالية وبرنامج الأغذية العالمي والأمم المتحدة والجهات التنموية الأخرى، باعتبار التعاون المشترك عنصرًا أساسيًا لمعالجة تحديات الأمن الغذائي.
وأشاد ممثل برنامج الأغذية العالمي في الصومال حميد نور، ونائب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة جورج كونواي، وممثلة لجنة الجالية الصومالية جواهر طاهر، بمستوى التعاون القائم بين الحكومة والبرنامج.
وأكد المشاركون أن مواجهة أزمة الغذاء تتطلب جهودًا متكاملة تشمل دعم الزراعة، وتحسين الإنتاج المحلي، وتعزيز قدرة الأسر على مواجهة الظروف الاقتصادية والمناخية الصعبة.
كما شهدت الفعالية عرض فيلم وثائقي تناول تأثير موجات الجفاف المتكررة على الأسر الصومالية، والجهود المشتركة للتخفيف من آثارها الإنسانية.
من جانبه، أكد المدير العام لوزارة التخطيط والاستثمار والتنمية الاقتصادية عبد الفتاح عبد القادر فارح (حريد) أن الخطة تنسجم مع أهداف خطة التحول الوطني، وتدعم رؤية التنمية طويلة الأمد في الصومال.
تحديات كبيرة أمام التنفيذ والتمويل
رغم أهمية الخطة الجديدة، فإن تنفيذ أهدافها يواجه مجموعة من التحديات، يأتي في مقدمتها توفير التمويل المطلوب في ظل تراجع المساعدات الإنسانية الدولية خلال الفترة الأخيرة.
ويثير حجم الميزانية البالغ أكثر من 1.5 مليار دولار تساؤلات حول قدرة المجتمع الدولي على الالتزام بتوفير الموارد اللازمة لضمان نجاح البرامج المقررة خلال السنوات الخمس المقبلة.
كما أن تحقيق الانتقال من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى بناء القدرة على الصمود يتطلب استثمارات مستمرة في البنية التحتية، والقطاعات الزراعية، وتعزيز المؤسسات الوطنية، وهي ملفات ما زالت تواجه صعوبات في البيئة الصومالية.
ويرتبط نجاح الخطة كذلك بقدرة الحكومة وشركائها على تحسين التنسيق، وضمان وصول الدعم إلى الفئات الأكثر ضعفًا، وتعزيز الشفافية والحوكمة في إدارة الموارد.
معالجة جذور انعدام الأمن الغذائي
لا ترتبط أزمة الغذاء في الصومال بالعوامل المناخية وحدها، بل تتداخل معها أسباب متعددة تشمل النزاعات، والنزوح، وضعف الإنتاج الزراعي، وتأثيرات التغير المناخي المستمرة.
ولهذا فإن نجاح الخطة يتطلب معالجة الأسباب العميقة للأزمة، من خلال الاستثمار في التنمية المحلية، ودعم المزارعين والرعاة، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية، وتحسين قدرة المجتمعات على مواجهة الكوارث.
كما أن بناء نظام غذائي مستدام يحتاج إلى مشاركة فعالة من المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، لضمان الانتقال التدريجي من الاعتماد على المساعدات إلى تعزيز الإنتاج الوطني.
خلفية المشهد
يمثل الأمن الغذائي أحد أكبر التحديات التنموية والإنسانية التي تواجه الصومال خلال العقود الأخيرة، حيث تأثرت البلاد بسلسلة متواصلة من الأزمات الطبيعية والبشرية التي أضعفت قدرة كثير من المجتمعات على تأمين احتياجاتها الأساسية.
وشهدت البلاد خلال السنوات الماضية موجات جفاف شديدة أثرت بشكل مباشر على الزراعة والثروة الحيوانية، وهما من أهم مصادر الدخل والغذاء لملايين الصوماليين، كما أدت النزاعات والنزوح إلى زيادة الضغط على الموارد والخدمات الأساسية.
وفي مواجهة هذه التحديات، أصبح التعاون بين الحكومة الصومالية والمنظمات الدولية، وعلى رأسها برنامج الأغذية العالمي، محورًا أساسيًا في جهود الحد من الجوع وتعزيز القدرة على الصمود.
وتعكس الخطة الاستراتيجية الجديدة للفترة 2026–2030 تحولًا مهمًا في طريقة التعامل مع أزمة الغذاء، إذ لا تركز فقط على تقديم المساعدات الطارئة، بل تسعى إلى بناء حلول طويلة الأمد تقوم على تعزيز الإنتاج، وتقوية المؤسسات، وتمكين المجتمعات المحلية.
غير أن نجاح هذه الرؤية سيعتمد على عوامل متعددة، من بينها استمرار الدعم الدولي، وتحسن الظروف الأمنية، وقدرة المؤسسات الوطنية على تنفيذ البرامج بكفاءة وشفافية.
ويمثل إطلاق هذه الخطة فرصة لتعزيز مسار جديد في ملف الأمن الغذائي الصومالي، يقوم على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء القدرة الوطنية على مواجهتها، بما يفتح الطريق نحو مستقبل أكثر استقرارًا واستدامة للأجيال القادمة.














