أديس أبابا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في تطور أمني وسياسي بالغ الحساسية، شهد إقليم تيغراي شمال إثيوبيا اندلاع مواجهات مسلحة جديدة في المناطق الغربية من الإقليم، في واحدة من أخطر الانتكاسات التي تواجه اتفاق السلام الموقع بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وسط تصاعد حاد في حدة الخطاب السياسي وتبادل الاتهامات بين الطرفين حول المسؤولية عن اندلاع الاشتباكات.
وتأتي هذه المواجهات بعد أشهر من التوتر المتزايد بين أديس أبابا وقيادة تيغراي، حيث لم تنجح الجهود السياسية والدبلوماسية في معالجة الخلافات العميقة التي بقيت قائمة رغم توقف الحرب السابقة. ويخشى مراقبون من أن يؤدي التصعيد العسكري الأخير إلى تقويض ما تبقى من مسار التسوية السياسية، وإعادة المنطقة إلى أجواء الصراع التي خلفت أزمة إنسانية واسعة خلال السنوات الماضية.
بداية المواجهات وتبادل الاتهامات
وقالت حكومة إقليم تيغراي، في بيان صادر من مدينة ميكيلي عاصمة الإقليم، إن القوات الفيدرالية الإثيوبية شنت هجومًا فجر السبت، مشيرة إلى أن القوات تقدمت من اتجاه منطقة شيريرينا القريبة من الحدود السودانية، واعتبرت أن هذه التحركات تمثل خرقًا خطيرًا للترتيبات الأمنية والسياسية التي نص عليها اتفاق السلام.
وأضاف البيان أن التطورات الميدانية تشير إلى تصعيد منظم يستهدف إعادة فرض الحلول العسكرية بدلًا من الالتزام بالمسار السياسي، داعيًا مختلف القوى المحلية والمدنية والدينية إلى الوقوف أمام ما وصفته بمحاولات إعادة الإقليم إلى دائرة الحرب.
في المقابل، أكد إبراهيم بلاي، الوزير الحكومي الذي تولى قيادة الإدارة الانتقالية في تيغراي خلال فترة الحرب، وقوع الاشتباكات، لكنه وجه اتهامات إلى قوات مرتبطة برئيس جبهة تحرير شعب تيغراي ديبريتسيون غبرميكائيل، معتبرًا أنها كانت وراء بدء المواجهات.
ودعا بلاي إلى إنهاء التصعيد والعودة إلى الحوار، مؤكدًا أن الخلافات السياسية لا يمكن حلها عبر القوة العسكرية، وأن استمرار المواجهات قد يؤدي إلى خسائر جديدة تهدد الاستقرار في الإقليم وفي إثيوبيا بشكل عام.
خلافات متراكمة بعد اتفاق بريتوريا
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى الخلافات المتراكمة بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي منذ انتهاء الحرب التي اندلعت عام 2020، إذ يتهم كل طرف الآخر بعدم الالتزام الكامل بتنفيذ بنود اتفاق السلام، خصوصًا ما يتعلق بترتيبات الأمن، ونزع السلاح، ومستقبل الدور السياسي للجبهة.
وكان اتفاق بريتوريا قد أنهى حربًا استمرت نحو عامين وأسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا وتشريد ملايين الأشخاص، لكنه لم يتمكن من حسم القضايا الأساسية التي كانت وراء الصراع، الأمر الذي أبقى العلاقات بين الطرفين في حالة من التوتر المستمر.
وتقول السلطات في تيغراي إن حزب الازدهار الحاكم في إثيوبيا واصل، حسب وصفها، فرض ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية على الإقليم، من بينها ما اعتبرته حصارًا طويلًا وحملات باستخدام الطائرات المسيرة، قبل أن تتطور الأزمة إلى مواجهات عسكرية مباشرة.
من جانبها، تتهم الحكومة الفيدرالية قيادة الجبهة بالسعي إلى إعادة نفوذها السابق، وعدم التخلي الكامل عن الخيارات العسكرية، وهو ما تنفيه سلطات تيغراي، مؤكدة أن مطالبها ترتبط بتنفيذ الاتفاقات وضمان حقوق الإقليم.
تصاعد الانقسام داخل تيغراي
وفي ظل التصعيد الأخير، دعت حكومة تيغراي قوات الدفاع المحلية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية إلى الاستعداد لما وصفته بمعركة مرتبطة بمستقبل الإقليم، مستخدمة شعار “لا للتدمير الوطني”، في إشارة إلى رفضها لما تعتبره تهديدًا لبقاء تجربتها السياسية والإدارية.
وتعكس هذه الدعوات ارتفاع مستوى القلق داخل تيغراي من احتمال انهيار التفاهمات السابقة وعودة المواجهات واسعة النطاق، خاصة مع استمرار الخلافات حول طبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية والإقليم.
وفي المقابل، كثفت الحكومة الإثيوبية خطابها السياسي ضد قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي، حيث ركزت وسائل الإعلام الحكومية خلال الأيام الماضية على اتهام ديبريتسيون غبرميكائيل بالتصعيد والدفع نحو مواجهة جديدة.
تحذيرات من عودة الحرب
وقال الباحث المتخصص في الشأن الإثيوبي كيتيل ترونفول إن المواجهات الأخيرة تعد “أخطر حادث” منذ توقيع اتفاق السلام عام 2022، موضحًا أن الاتفاق نجح في وقف الحرب لكنه لم يعالج الأسباب العميقة للخلاف بين ميكيلي وأديس أبابا.
وأضاف أن القضايا المرتبطة بنزع السلاح، وإعادة بناء الثقة، ووضع جبهة تحرير شعب تيغراي القانوني والسياسي، إلى جانب الملفات الإقليمية المتنازع عليها، ما تزال تمثل نقاط توتر رئيسية يمكن أن تعيد إشعال الصراع.
وأشار إلى أن استمرار المواجهات قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، خصوصًا في ظل وجود أطراف إقليمية لها مصالح مباشرة في منطقة القرن الأفريقي.
ضغوط دولية ومساعٍ دبلوماسية
وفي محاولة للحد من التصعيد، مارست الولايات المتحدة خلال الفترة الماضية ضغوطًا سياسية على بعض الشخصيات داخل جبهة تحرير شعب تيغراي، حيث فرضت قيودًا على التأشيرات بحق ما وصفته بشخصيات متشددة تعرقل تنفيذ اتفاق السلام.
ورفضت الجبهة هذه الإجراءات، معتبرة أنها تستند إلى تقييم غير مكتمل لطبيعة الأزمة، وأنها لا تعالج جذور الخلافات السياسية والأمنية القائمة بين الطرفين.
كما أعلنت الجبهة في منتصف يوليو/تموز الماضي أن اتفاق بريتوريا أصبح “ميتًا فعليًا”، بالتزامن مع زيارة السفير الأمريكي لدى إثيوبيا إلى ميكيلي في محاولة للحفاظ على الاتفاق ومنع انهياره الكامل.
مخاوف إقليمية من توسع الأزمة
ويرى محللون أن تجدد القتال في تيغراي لا يمثل أزمة داخلية إثيوبية فقط، بل يحمل تداعيات إقليمية واسعة بالنظر إلى موقع إثيوبيا ودورها السياسي والأمني في منطقة القرن الأفريقي.
وقال المحلل الإقليمي فيصل روبلي إن اندلاع المواجهات يمثل مؤشرًا على فشل الجهود السياسية الرامية إلى حل الخلافات بين الطرفين، محذرًا من أن غياب تدخل دولي قوي قد يؤدي إلى اتساع رقعة الصراع.
وأضاف أن أي عودة لحرب واسعة في تيغراي ستكون لها آثار إنسانية وأمنية كبيرة، وقد تؤثر على استقرار المنطقة التي تعاني أصلًا من تحديات سياسية وأمنية متشابكة.
خلفية المشهد
اندلعت الحرب في إقليم تيغراي في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، بعد أزمة سياسية وأمنية تصاعدت بين الطرفين عقب وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018 وإنهائه هيمنة الجبهة على المشهد السياسي الإثيوبي.
وبعد عامين من القتال العنيف، توصل الطرفان إلى اتفاق بريتوريا للسلام في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، أنهى العمليات العسكرية الكبرى وفتح الباب أمام مرحلة انتقالية تهدف إلى إعادة الاستقرار، إلا أن استمرار الخلافات حول الملفات السياسية والأمنية حال دون تحقيق تسوية شاملة.
ويشير مراقبون إلى أن التطورات الأخيرة في غرب تيغراي تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الاتفاق على الصمود، وسط دعوات دولية متزايدة لمنع عودة الحرب، وتشجيع الطرفين على استئناف الحوار باعتباره الطريق الوحيد لتجنب أزمة جديدة في إثيوبيا والقرن الأفريقي.














