هرجيسا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في تطور يعكس استمرار حساسية الملف السياسي والأمني المرتبط بالمناطق المتنازع عليها في شمال الصومال، أعلنت سلطات صوماليلاند رفضها زيارة رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري إلى مدينة لاسعانود، معتبرة أن الزيارة تمثل تجاوزًا لما تصفه بمطالبها السيادية والإقليمية، ومحذرة من أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى زيادة حدة التوترات في منطقة تشهد تنافسًا سياسيًا مستمرًا بين مختلف الأطراف.
وقالت حكومة صوماليلاند، في بيان رسمي، إن زيارة رئيس الوزراء إلى لاسعانود لا تخدم مسار الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار، مضيفة أن مثل هذه التحركات قد تؤثر على الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة، التي ما تزال تعاني من تداعيات الخلافات المرتبطة بوضعها الإداري والسياسي.
وأكدت هرجيسا أن ما وصفته بالإجراءات الأحادية من جانب الحكومة الفيدرالية قد يؤدي إلى تعقيد المشهد، داعية إلى التعامل مع القضايا الخلافية بطريقة تضمن، بحسب موقفها، احترام مطالب جميع الأطراف وتجنب أي خطوات قد تزيد من حالة الاحتقان القائمة.
ويأتي هذا الموقف في ظل استمرار الخلاف حول مدينة لاسعانود وإقليم سول، حيث تتباين مواقف الحكومة الفيدرالية الصومالية وصوماليلاند بشأن الوضع القانوني والسياسي للمنطقة، ما يجعل أي تحرك رسمي فيها محل اهتمام ومتابعة واسعة على المستويين المحلي والدولي.
هرجيسا تطلب موقفًا دوليًا لاحتواء التوتر
ودعت حكومة صوماليلاند الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، والأمم المتحدة، إلى جانب الشركاء الدوليين، إلى لعب دور في الحد مما وصفته بالخطوات الاستفزازية، وحث الحكومة الفيدرالية في مقديشو على تجنب الإجراءات التي قد تؤدي إلى تصعيد التوترات في المناطق المتنازع عليها.
وشددت هرجيسا، رغم انتقادها للزيارة، على استمرار التزامها بالسلام والاستقرار والتعايش، مؤكدة أنها لا تزال تدعم الحلول السلمية، لكنها أوضحت في الوقت ذاته أنها ستتخذ ما تعتبره إجراءات ضرورية لحماية أمنها ومصالحها ومطالبها السياسية والإقليمية.
ويرى مراقبون أن الدعوة التي وجهتها صوماليلاند إلى المجتمع الدولي تعكس رغبتها في تدويل ملف المناطق المتنازع عليها، خصوصًا في ظل استمرار الخلافات السياسية بينها وبين الحكومة الفيدرالية، وفي وقت تحاول فيه الأطراف المختلفة تعزيز حضورها ونفوذها داخل المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية.
بري يعزز حضور الحكومة الفيدرالية في لاسعانود
وجاء بيان صوماليلاند بعد ساعات من وصول رئيس الوزراء حمزة عبدي بري إلى مدينة لاسعانود، حيث شارك في الاحتفالات بالذكرى السنوية الأولى لتأسيس الإدارة الشمالية الشرقية، إلى جانب إطلاق عدد من المبادرات والمشاريع التابعة للحكومة الفيدرالية في مجالات التنمية والخدمات العامة.
وحظي رئيس الوزراء باستقبال رسمي وشعبي لدى وصوله إلى مطار لاسعانود، حيث كان في استقباله قادة الإدارة الشمالية الشرقية، وشيوخ العشائر، وممثلو المجتمع المحلي، قبل أن يعقد لقاءات مع المسؤولين لمناقشة ملفات تتعلق بالإدارة والتنمية وتعزيز الخدمات الحكومية المقدمة للسكان.
وخلال الزيارة، من المتوقع أن يشرف بري على إطلاق مشاريع وبرامج تهدف إلى توسيع نطاق الخدمات العامة وتعزيز دور مؤسسات الدولة في المنطقة، في إطار توجه الحكومة الفيدرالية لدعم الإدارات المنضوية ضمن النظام الفيدرالي وتطوير قدراتها المؤسسية.
وتحمل زيارة رئيس الوزراء أبعادًا سياسية إلى جانب جانبها التنموي، إذ تأتي في وقت تسعى فيه مقديشو إلى تعزيز علاقاتها مع الإدارة الشمالية الشرقية، وتأكيد دور الحكومة الفيدرالية في المناطق التي تعترف بها ضمن هيكل الدولة الاتحادية.
لاسعانود محور خلاف سياسي وإداري
وتعترف الحكومة الفيدرالية الصومالية بالإدارة الشمالية الشرقية باعتبارها إحدى الإدارات الفيدرالية في البلاد، وقد شهدت علاقاتها مع مقديشو تطورًا ملحوظًا منذ تأسيسها، خصوصًا في مجالات التعاون السياسي والتنمية وبناء المؤسسات المحلية.
في المقابل، تواصل صوماليلاند التأكيد على أن إقليم سول، بما في ذلك مدينة لاسعانود، جزء من أراضيها، رغم فقدانها السيطرة على المدينة عقب المواجهات التي اندلعت عام 2023، والتي شكلت نقطة تحول كبيرة في طبيعة الصراع السياسي والأمني حول المنطقة.
وتعد لاسعانود من أكثر المناطق حساسية في المشهد الصومالي، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، وإنما أيضًا بسبب ارتباطها المباشر بقضايا الهوية السياسية، ومستقبل النظام الفيدرالي، وطبيعة العلاقة بين الحكومة المركزية والإدارات المحلية.
ويشير محللون إلى أن استمرار التنافس حول المدينة يعكس عمق التحديات التي تواجه مسار بناء توافق سياسي شامل في الصومال، خصوصًا في ظل تعدد الرؤى حول شكل الدولة ومستقبل المناطق ذات المطالب السياسية المختلفة.
خلفية المشهد
تُعد مدينة لاسعانود، عاصمة إقليم سول، إحدى أبرز المناطق المتنازع عليها في شمال الصومال، حيث ظلت خلال السنوات الماضية نقطة التقاء بين عوامل سياسية وقبلية وأمنية جعلت ملفها من أكثر الملفات تعقيدًا في منطقة القرن الأفريقي.
وشهدت المدينة عام 2023 مواجهات مسلحة بين قوات صوماليلاند وقوى محلية معارضة لوجودها، انتهت بخروج قوات صوماليلاند من المدينة، وهو ما أدى إلى إعادة تشكيل المشهد الإداري والسياسي في المنطقة، وتعزيز ارتباطها بالحكومة الفيدرالية الصومالية.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت لاسعانود رمزًا للخلاف بين رؤيتين سياسيتين مختلفتين؛ الأولى تمثل مشروع صوماليلاند القائم على المطالبة بالاعتراف الدولي، والثانية تمثل موقف الحكومة الفيدرالية التي تؤكد وحدة الأراضي الصومالية ضمن نظام اتحادي يضم مختلف الإدارات الإقليمية.
ويرى متابعون أن مستقبل لاسعانود سيظل مرتبطًا بقدرة الأطراف السياسية على الوصول إلى حلول قائمة على الحوار واحترام تطلعات السكان المحليين، باعتبار أن الاستقرار في المنطقة يمثل عاملًا أساسيًا لأمن شمال الصومال والقرن الأفريقي بشكل عام.














