هرجيسا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
على الرغم من استمرار مساعي أرض الصومال للحصول على اعتراف دولي، يطرح زعيمها عبد الرحمن محمد عبد الله (عِرّو) رؤية طموحة تقوم على استثمار موقعها الجغرافي وسواحلها المطلة على خليج عدن، بهدف تعزيز حضورها في أمن البحر الأحمر، وتوسيع دورها في التجارة الإقليمية، واستقطاب الاستثمارات والقوى الدولية، في وقت تتزايد فيه الأهمية الاستراتيجية للمنطقة بفعل اضطرابات الملاحة والتنافس المتصاعد على الممرات البحرية في القرن الإفريقي.
وقال عِرّو، في مقابلة مع مجلة «ذي إيكونوميست» خلال زيارة إلى العاصمة الكينية نيروبي، إن أرض الصومال تسعى إلى أداء دور في حماية أمن البحر الأحمر ودعم حركة التجارة الإقليمية، معتبرًا أن موقعها الساحلي يمنحها فرصة للاستفادة من التطورات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة. وتأتي هذه التصريحات في وقت أصبحت فيه سواحل خليج عدن والبحر الأحمر أكثر حضورًا في الحسابات الأمنية والاقتصادية للقوى الإقليمية والدولية.
وفي الجانب الأمني، أبدى زعيم أرض الصومال استعداد حكومته للسماح لقوى دولية بإقامة قواعد عسكرية على سواحلها، معتبرًا أن وجود مثل هذه المنشآت يمكن أن يعزز أمن الممرات البحرية ويمنح القوى الدولية قدرة أكبر على التعامل مع التهديدات التي تواجه الملاحة التجارية. وربط عِرّو هذا الطرح بالتوترات الناجمة عن هجمات الحوثيين في اليمن وتأثيرها في حركة السفن، داعيًا المجتمع الدولي إلى إعادة النظر في الموقع الاستراتيجي لأرض الصومال بعد عقود من التجاهل، وفق ما نقلته المجلة.
ويحتل ميناء بربرة موقعًا أساسيًا في الرؤية التي عرضها عِرّو، إذ تسعى هرجيسا إلى تحويله إلى مركز تجاري رئيسي يخدم حركة البضائع بين إثيوبيا والقرن الإفريقي والأسواق العالمية. وتراهن السلطات على توسيع استخدام إثيوبيا للميناء، بما يمنح الدولة الحبيسة منفذًا إضافيًا لتلبية احتياجات تجارتها الخارجية، ويتيح في المقابل لأرض الصومال تعزيز موقع بربرة بوصفه أحد الممرات التجارية المهمة في المنطقة.
ويتزامن هذا التوجه مع الاستثمارات التي شهدها ميناء بربرة خلال السنوات الماضية، والتي أسهمت في تطوير قدراته وتعزيز مكانته كمرفق بحري ذي أهمية إقليمية. وترى هرجيسا أن الجمع بين الميناء والبنية التحتية المرتبطة به، إلى جانب توسيع العلاقات التجارية مع إثيوبيا ودول القرن الإفريقي، يمكن أن يوفر قاعدة اقتصادية لجذب مزيد من الاستثمارات وتحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر نفوذ اقتصادي وسياسي.
وفي السياق العسكري، برزت رغبة أرض الصومال في استضافة قاعدة أمريكية في بربرة كأحد أكثر جوانب الرؤية حساسية، إذ يمكن لموقع كهذا، في حال تحققه، أن يوفر لواشنطن نقطة استراتيجية قريبة من البحر الأحمر وخليج عدن. كما تناولت «ذي إيكونوميست» صلات محتملة بين مسألة المنشآت العسكرية والعلاقات المتنامية بين أرض الصومال وإسرائيل، في سياق التطورات التي شهدها ملف الاعتراف والعلاقات الإقليمية، وهو ما يضيف بُعدًا جيوسياسيًا إلى الرؤية التي يطرحها عِرّو.
واستحضر عِرّو تجربة جيبوتي باعتبارها نموذجًا يمكن الاستفادة منه، إذ تمكنت الدولة الصغيرة الواقعة بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية العالمية من توظيف موقعها في استقطاب قواعد عسكرية لقوى كبرى، والاستفادة في الوقت نفسه من الموانئ والخدمات اللوجستية وحركة التجارة. وترى هرجيسا أن موقع بربرة يمكن أن يؤدي دورًا مشابهًا، خصوصًا في ظل حاجة إثيوبيا إلى منافذ بحرية متعددة وتزايد اهتمام القوى الدولية بالممرات البحرية في المنطقة.
وقال عِرّو إن هدفه هو أن تصبح أرض الصومال «جيبوتي الجديدة»، في عبارة تختصر رؤية تقوم على الجمع بين الأمن والتجارة والاستثمار والاستفادة من الموقع الجغرافي في تعزيز العلاقات الخارجية. ويأتي هذا الطرح بالتزامن مع تركيز هرجيسا على جذب القوى الدولية والمستثمرين وتوسيع حضورها الدبلوماسي، بينما يظل الحصول على اعتراف دولي أحد أهم الملفات التي تسعى إلى تحقيق تقدم فيها.
وإذا تمكنت هذه الرؤية من الانتقال من مستوى الطرح السياسي إلى التنفيذ العملي، فقد يتحول ميناء بربرة إلى محور رئيسي في استراتيجية أوسع لتعزيز حضور أرض الصومال الاقتصادي والأمني في القرن الإفريقي. غير أن تحقيق ذلك سيظل مرتبطًا بجملة من العوامل، من بينها الاستقرار الإقليمي، وتوازن العلاقات مع القوى المجاورة، والقدرة على جذب الاستثمارات، فضلًا عن التداعيات السياسية والأمنية المحتملة لاستضافة قواعد عسكرية أجنبية في منطقة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية متنافسة.
يذكر أن الرؤية التي طرحها عِرّو تعكس توجهًا يسعى إلى توظيف الموقع الجغرافي لأرض الصومال في بناء حضور اقتصادي وأمني أوسع، من خلال تطوير ميناء بربرة، وتعزيز دوره في التجارة الإثيوبية والإقليمية، والسعي إلى استقطاب الاستثمارات والقوى الدولية. ويأتي ذلك في سياق تزايد الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر وخليج عدن، وتصاعد التنافس على الممرات البحرية والمواقع الساحلية في القرن الإفريقي. ومع ذلك، فإن تحويل نموذج «جيبوتي الجديدة» إلى واقع سيبقى مرتبطًا بقدرة هرجيسا على إدارة التعقيدات السياسية والأمنية المحيطة بها، وموازنة طموحاتها الاقتصادية مع مصالح دول المنطقة والقوى الدولية، إلى جانب تأثير ملف الاعتراف الدولي في مستقبل علاقاتها وشراكاتها الخارجية.














