هرجيسا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
اشتدت حدة السجال السياسي داخل أرض الصومال، بعدما وجّه الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله (عرّو) انتقادات لاذعة إلى الرئيس السابق موسى بيحي عبدي، على خلفية تصريحاته الأخيرة التي دعا فيها الإدارة الحالية إلى التريث في إدارة علاقاتها الخارجية، ولا سيما ما يتصل بالتقارب مع إسرائيل. وجاءت تصريحات عرّو في وقت يشهد فيه ملف السياسة الخارجية اهتمامًا متزايدًا داخل الأوساط السياسية، باعتباره أحد أبرز الملفات المرتبطة بالتحركات الرامية إلى توسيع الحضور الدبلوماسي وتعزيز فرص الاعتراف الدولي، وسط انقسام في وجهات النظر بشأن الأسلوب الأنسب لإدارة هذه المرحلة الحساسة.
وأكد عرّو أن السعي نحو الاعتراف الدولي يمثل مشروعًا وطنيًا لا يخص حكومة بعينها أو حزبًا سياسيًا بعينه، وإنما يعبر عن هدف استراتيجي ظل حاضرًا في الخطاب السياسي لسنوات طويلة. وقال إن مثل هذه القضايا المصيرية تستوجب اصطفافًا سياسيًا واسعًا، داعيًا جميع القيادات والشخصيات الوطنية إلى مساندة التحركات الدبلوماسية بدلًا من إضعافها بخلافات داخلية قد تُستغل لإعطاء انطباع بغياب الإجماع حول القضايا الوطنية الكبرى. وأضاف أن وحدة الصف السياسي تمثل أحد أهم عناصر القوة في أي تحرك خارجي يسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية.
وجاءت هذه التصريحات ردًا على بيان أصدره الرئيس السابق موسى بيحي عبدي، دعا فيه الإدارة الحالية إلى التعامل بحذر مع المتغيرات الإقليمية والدولية، معتبرًا أن التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي تستوجب قراءة متأنية قبل المضي في أي تفاهمات أو علاقات جديدة. وأشار بيحي إلى أن البيئة السياسية المحيطة تمر بمرحلة إعادة تشكيل للتحالفات والمصالح، الأمر الذي يتطلب – من وجهة نظره – دراسة دقيقة لأي خطوة قد تترك آثارًا بعيدة المدى على مستقبل العلاقات الخارجية.
ورفض عرو تلك التحفظات، مؤكدًا أن اختلاف الآراء السياسية لا ينبغي أن يتحول إلى عامل يعرقل المساعي الدبلوماسية أو يقلل من فرص نجاحها. وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب خطابًا سياسيًا مسؤولًا يعزز الثقة في الموقف الداخلي، ويبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي مفادها أن القضايا الوطنية الكبرى تحظى بدعم واسع، بغض النظر عن التنافس السياسي أو اختلاف المواقع بين السلطة والمعارضة.
وأعاد هذا السجال ملف العلاقات الخارجية إلى واجهة المشهد السياسي، في ظل تزايد النقاش حول طبيعة الانفتاح الذي تنتهجه الإدارة الحالية، وما إذا كان يمثل فرصة لتعزيز موقعها الخارجي أو يستوجب مزيدًا من الحذر في ضوء التعقيدات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. ويرى متابعون أن الجدل لم يعد مقتصرًا على العلاقة مع إسرائيل، بل امتد ليشمل الرؤية العامة للسياسة الخارجية، وكيفية توظيف المتغيرات الإقليمية لخدمة الأهداف السياسية دون الإضرار بالتوازنات القائمة.
كما أثارت تصريحات الطرفين تفاعلات واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية، حيث اعتبر مؤيدو الإدارة الحالية أن توحيد الموقف الداخلي يمثل ضرورة لإنجاح أي تحرك دبلوماسي، بينما رأى آخرون أن من حق القيادات السياسية إبداء ملاحظاتها تجاه الملفات الاستراتيجية، باعتبار ذلك جزءًا من النقاش السياسي المشروع. ويعكس هذا التباين استمرار الجدل حول إدارة الملفات السيادية، في وقت تتزايد فيه التحديات والفرص التي تفرضها التحولات الإقليمية والدولية.
واختتم عرّو حديثه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تستوجب تغليب روح المسؤولية الوطنية، والعمل المشترك بين مختلف القوى السياسية، بعيدًا عن الخلافات التي قد تؤثر في القضايا المصيرية. ودعا إلى توحيد الجهود خلف مشروع الاعتراف الدولي، معتبرًا أن نجاحه يتطلب دبلوماسية نشطة، وموقفًا داخليًا متماسكًا، ورؤية سياسية قادرة على التعامل مع المتغيرات الإقليمية بما يخدم المصالح العليا.
يعكس التراشق السياسي بين الرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله (عرّو) والرئيس السابق موسى بيحي عبدي تباينًا في مقاربة إدارة السياسة الخارجية، أكثر مما يعكس اختلافًا حول الأهداف العامة. ففي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط، أصبح ملف العلاقات الخارجية واحدًا من أكثر الملفات تأثيرًا في المشهد السياسي، لما يحمله من أبعاد دبلوماسية وأمنية واستراتيجية. وبينما ترى الإدارة الحالية أن توسيع قنوات التواصل الخارجي يمثل فرصة لتعزيز حضورها السياسي، تدعو أصوات أخرى إلى اعتماد مقاربة أكثر تحفظًا تأخذ في الاعتبار تعقيدات البيئة الإقليمية وحساسية التوازنات الدولية. ومن المرجح أن يظل هذا الملف محورًا للنقاش السياسي خلال المرحلة المقبلة، مع استمرار الجدل حول أفضل السبل لتحقيق الأهداف السياسية في ظل واقع إقليمي سريع التغير.














