لندن – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في قضية تعكس التحولات الجديدة في أنماط التطرف العنيف واستغلال التقنيات الحديثة في التواصل مع الجماعات المسلحة، بدأت محكمة بريطانية النظر في ملف شاب صومالي الأصل يواجه اتهامات بمحاولة السفر إلى الصومال بهدف الانضمام إلى تنظيم داعش، وسط ادعاءات قدمتها النيابة العامة بشأن استخدامه أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في الوصول إلى جهات مرتبطة بالتنظيم.
وتنظر محكمة وينشستر الملكية في قضية محمد محمود البالغ من العمر 22 عامًا، والذي يواجه اتهامات تتعلق بالإعداد لأعمال إرهابية خلال الفترة الممتدة بين 1 أكتوبر 2024 و5 مارس 2025، وفق ما عرضته النيابة أمام هيئة المحلفين، في حين ينفي المتهم جميع التهم الموجهة إليه.
وتأتي هذه المحاكمة في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من استغلال الجماعات المتطرفة للفضاء الرقمي والأدوات التكنولوجية الحديثة في عمليات التجنيد أو التواصل، الأمر الذي دفع الجهات الأمنية والقضائية إلى تطوير أساليب جديدة لمواجهة التهديدات المتغيرة.
اتهامات بالسعي للانضمام إلى داعش
قالت المدعية العامة نعومي بارسونز أمام هيئة المحلفين إن المتهم، الذي كان يقيم في مدينة بريستول البريطانية، أصبح متأثرًا بأفكار تنظيم داعش، وإنه سعى إلى العودة إلى الصومال بهدف محاولة الانضمام إلى عناصر التنظيم التي تنشط في المناطق الجبلية القريبة من مدينة بوصاصو في شمال شرق البلاد.
وأوضحت النيابة أن محمود وصل إلى المملكة المتحدة عام 2020 للعيش مع والدته وشقيقه في بريستول، قبل أن يتغير مسار حياته لاحقًا، وفق رواية الادعاء، نتيجة تأثره بأفكار متطرفة دفعته إلى البحث عن وسائل تساعده في الوصول إلى التنظيم.
وأضافت بارسونز أن المتهم لم يكن يبحث فقط عن وسيلة للانضمام إلى التنظيم، بل كان يرى ذلك – بحسب النيابة – باعتباره “واجبًا”، مشيرة إلى أن الرسائل والاتصالات التي جرى عرضها أمام المحكمة تشكل جزءًا من الأدلة التي تستند إليها القضية.
رحلة إلى الصومال ومحاولات العثور على وسيط
وبحسب ما قدمته النيابة البريطانية، حاول محمود خلال وجوده في المملكة المتحدة العثور على شخص يساعده في التواصل مع تنظيم داعش، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق ذلك، قبل أن يقرر السفر إلى الصومال في بداية عام 2025.
وقالت النيابة إن المتهم غادر بريطانيا في 30 يناير 2025 متوجهًا إلى الصومال، رغم امتلاكه تذكرة عودة كانت محددة في 3 مارس 2025، معتبرة أن هذه التذكرة لم تكن تعكس – وفق الادعاء – نيته الحقيقية في العودة إلى المملكة المتحدة.
وأضافت المدعية العامة أن الرسائل التي تمت مراجعتها خلال التحقيقات تشير إلى أن محمود لم يكن يخطط للعودة، وإنما كان يسعى إلى الوصول إلى تنظيم داعش والانضمام إليه.
الذكاء الاصطناعي في قلب القضية
ومن أبرز تفاصيل القضية التي عرضتها النيابة أمام المحكمة، الادعاء بأن المتهم استخدم برنامجًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي بعد وصوله إلى الصومال، بهدف مساعدته في العثور على جهة اتصال تقوده إلى تنظيم داعش.
وقالت النيابة إن محمود واجه صعوبة في العثور على شخص يساعده في الوصول إلى التنظيم، فلجأ إلى روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي لمحاولة الحصول على معلومات أو إرشادات بشأن التواصل مع عناصر مرتبطة بالتنظيم.
وتسلط هذه الجزئية الضوء على تحدٍ جديد يواجه الأجهزة الأمنية حول العالم، يتمثل في احتمال إساءة استخدام التقنيات الحديثة من قبل أفراد يسعون إلى الوصول إلى جماعات متطرفة أو تنفيذ أنشطة غير قانونية، وهو ما دفع إلى زيادة الاهتمام بوضع ضوابط أكثر فاعلية للاستخدام الآمن للتكنولوجيا.
اتصالات مع عناصر مرتبطة بالتنظيم
وأشارت النيابة إلى أن محمود تمكن لاحقًا من التواصل مع شخصين وصفتهما بأنهما مرتبطان بتنظيم داعش، إلا أن محاولته للانضمام واجهت صعوبات بسبب الأوضاع الأمنية والعمليات العسكرية الجارية في المناطق التي ينشط فيها التنظيم.
وخلال جلسات المحاكمة، نقلت النيابة عن أحد الأشخاص الذين تواصل معهم المتهم، ويدعى “أبو علي”، قوله إن الوضع داخل المنطقة التي يوجد فيها التنظيم يشهد حربًا مستمرة وغارات جوية واشتباكات عنيفة.
وبحسب النيابة، فقد رد محمود على تلك التحذيرات برسائل أعرب فيها عن استعداده للانضمام، واستخدم عبارات تشير إلى رغبته في “الشهادة”، وهو ما اعتبرته النيابة جزءًا من الأدلة المتعلقة بتوجهاته خلال تلك الفترة.
معدات وخطط مرتبطة بالرحلة
وقالت النيابة إن المتهم اشترى خلال وجوده في الصومال عددًا من المعدات التي اعتبرتها مرتبطة بخططه، من بينها أحذية للمشي وبطارية تعمل بالطاقة الشمسية.
وأضافت أن محمود، وبعد عدم تمكنه من الوصول إلى التنظيم بسبب الظروف الأمنية، قرر لاحقًا العودة إلى المملكة المتحدة، لكنه استمر – وفق الادعاء – في الحفاظ على التواصل مع أشخاص مرتبطين بالتنظيم.
وأوضحت النيابة أن بعض الرسائل التي قدمتها أمام المحكمة تضمنت عبارات تفيد باستعداده للعودة في أي وقت إذا طلب منه ذلك، معتبرة ذلك مؤشرًا على استمرار ارتباطه بأفكار التنظيم.
مخاوف الأسرة والتحذيرات المبكرة
وخلال عرض القضية، تطرقت النيابة إلى موقف أسرة المتهم، مشيرة إلى أن أفراد عائلته لاحظوا تغيرات في أفكاره وسلوكه قبل سفره إلى الصومال.
ونقلت عن والدته أنها كانت تشعر بالقلق من تأثره بأفكار متطرفة، وأنها اعتقدت أنه تعرض لتأثير فكري من قبل تنظيم الشباب، وهو تنظيم مسلح ينشط في الصومال.
وتسلط هذه التفاصيل الضوء على أهمية دور الأسرة والمجتمع في رصد مؤشرات التطرف المبكر، وتعزيز برامج التوعية والوقاية التي تستهدف معالجة أسباب الانجراف نحو الأفكار المتطرفة قبل تحولها إلى سلوكيات تهدد أمن الأفراد والمجتمعات.
المتهم ينفي الاتهامات ويواصل دفاعه
ويواصل محمد محمود المثول أمام المحكمة لمواجهة الاتهامات الموجهة إليه، حيث ينفي بشكل كامل جميع الادعاءات المتعلقة بالإعداد لأعمال إرهابية أو السعي للانضمام إلى تنظيم داعش.
وتتركز المرحلة الحالية من المحاكمة على مناقشة الأدلة والرسائل والاتصالات التي قدمتها النيابة، إلى جانب دفوع فريق الدفاع، في إطار الإجراءات القضائية التي تضمن للمتهم حق الرد الكامل على الادعاءات المقدمة ضده.
ومن المنتظر أن تستمر جلسات المحاكمة خلال الفترة المقبلة للاستماع إلى مزيد من الشهادات والأدلة قبل أن تصدر المحكمة قرارها النهائي بشأن القضية.
خلفية المشهد
تأتي هذه القضية في سياق عالمي يشهد تغيرًا مستمرًا في أساليب انتشار الفكر المتطرف وطرق استقطاب الأفراد، حيث أصبحت الجماعات الإرهابية تستفيد من التطور التقني والمنصات الرقمية في محاولة الوصول إلى شرائح جديدة، الأمر الذي فرض تحديات إضافية أمام الحكومات والأجهزة الأمنية.
وتعد منطقة القرن الأفريقي، وخاصة الصومال، من المناطق التي واجهت خلال السنوات الماضية تهديدات مرتبطة بالجماعات الإرهابية، ما دفع إلى تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين الصومال وشركائها الدوليين لمكافحة الإرهاب وتجفيف مصادر التجنيد والتمويل.
كما تكشف هذه القضية عن أهمية التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية ذات تأثير واسع، تتطلب أطرًا قانونية وتنظيمية تضمن الاستفادة من إمكاناتها الإيجابية، مع منع استغلالها في دعم الأنشطة الإرهابية أو الإجرامية.
وفي هذا الإطار، تؤكد التجارب المتزايدة حول العالم أن مواجهة التطرف لا تعتمد على الحلول الأمنية فقط، بل تحتاج إلى مقاربة شاملة تجمع بين الوقاية المجتمعية، والتوعية الفكرية، والتعاون الدولي، وتعزيز قدرة المؤسسات على حماية الشباب من مخاطر الاستقطاب والتطرف.














