نيروبي – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
بدأت اليوم الثلاثاء في العاصمة الكينية نيروبي مباحثات تهدف إلى استكمال اتفاق بين قائد جهاز المخابرات والأمن الوطني الصومالي (نيسا) في إقليم غدو، عبدالرشيد حسن نور (جنن)، وإدارة جوبالاند بقيادة الرئيس أحمد محمد إسلام (أحمد مدوبي)، في مسار تفاوضي يستهدف طي صفحة الخلاف السياسي والأمني الذي ظل قائمًا بين الطرفين، ووضع ترتيبات عملية لمعالجة الملفات العالقة. وتركز المباحثات على التوصل إلى صيغة نهائية للتفاهمات السابقة، بما يمكن أن يمهد لتهدئة الأوضاع في الإقليم واحتواء تداعيات الخلافات التي انعكست خلال الفترة الماضية على المشهد السياسي والأمني في غدو.
وتبحث الأطراف خلال اجتماعات نيروبي التفاصيل المرتبطة بالاتفاق المرتقب، وآليات تنفيذ البنود التي سبق التفاهم عليها، إلى جانب الترتيبات التي يمكن أن تضمن انتقال التسوية من مرحلة التفاهمات إلى خطوات عملية على الأرض. كما تحاول المباحثات معالجة النقاط التي ما تزال بحاجة إلى توافق، بما يتيح للأطراف تجاوز الخلافات السابقة وفتح قنوات أكثر انتظامًا للحوار والتنسيق. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تجنيب الإقليم مزيدًا من التوتر، والحفاظ على الاستقرار المحلي في منطقة تتداخل فيها اعتبارات سياسية وأمنية واجتماعية متعددة.
وكان عبدالرشيد حسن نور (جنن) ونائب رئيس إقليم غدو، ونستيح عبدي صالح، قد غادرا أمس الاثنين مدينة بلد حواء متوجهين إلى كينيا، للمشاركة في الاجتماعات المقررة مع لجنة الوساطة وعدد من كبار المسؤولين في إدارة جوبالاند. وتأتي مشاركتهما في هذه الاجتماعات في إطار التحركات الرامية إلى استكمال التفاهمات بين جنن وإدارة جوبالاند، حيث يُنتظر أن تتناول اللقاءات تفاصيل الاتفاق، والضمانات المتعلقة بتنفيذه، والترتيبات التي يمكن أن تساعد في تثبيت التهدئة. كما توفر اجتماعات نيروبي مساحة للتباحث المباشر بشأن القضايا التي حالت خلال الفترة الماضية دون الوصول إلى تسوية نهائية.
وجاءت هذه التحركات بعد إعلان جنن، قبل أيام، انضمامه مجددًا إلى إدارة جوبالاند، التي كان ينتمي إليها في وقت سابق قبل أن ينشق عنها وينضم إلى الحكومة الفيدرالية الصومالية. وقال جنن، في معرض إعلانه عن موقفه، إن قراره بالانفصال عن الحكومة الفيدرالية جاء، بحسب تعبيره، على خلفية عدم توفير الرواتب والمستحقات المالية. ويشكل هذا التحول عودة لجنن إلى البيئة السياسية والإدارية التي كان جزءًا منها قبل انتقاله إلى الحكومة الفيدرالية، كما يفتح المجال أمام إعادة ترتيب علاقته بإدارة جوبالاند وتسوية الملفات التي تراكمت خلال فترة الخلاف. وتبقى مسألة المستحقات المالية، وفق روايته، جزءًا من الأسباب التي استند إليها في تفسير موقفه، دون أن يعني ذلك ثبوتها بصورة مستقلة عن تصريحه.
وتجري المباحثات في نيروبي برعاية ومشاركة مسؤولين من الحكومة الكينية، إلى جانب شخصيات من أبناء جوبالاند وعدد من السياسيين الذين تربطهم صلات بكل من عبدالرشيد حسن نور (جنن) والرئيس أحمد محمد إسلام (أحمد مدوبي). ويعكس إشراك هذه الأطراف محاولة لتوفير مساحة أوسع للوساطة وتقريب وجهات النظر، والاستفادة من القنوات الرسمية والاجتماعية والسياسية في دعم التسوية. كما يُنتظر أن يسهم هذا الدور في معالجة الجوانب الحساسة من الخلاف، وتشجيع الأطراف على الالتزام بالتفاهمات التي يتم التوصل إليها، بما يقلل من فرص تجدد التوتر بعد انتهاء الاجتماعات.
وتكتسب المباحثات أهمية خاصة بالنظر إلى حساسية الوضع السياسي والأمني في إقليم غدو، الذي ظل خلال السنوات الماضية من المناطق التي تشهد تداخلًا بين الملفات الأمنية والسياسية والإدارية. ويجعل موقع الإقليم الحدودي وتشابك العلاقات بين القوى المحلية والإقليمية من أي خلاف داخلي مسألة ذات انعكاسات تتجاوز أطرافها المباشرة. ومن هذا المنطلق، فإن التوصل إلى تسوية بين جنن وإدارة جوبالاند قد يوفر فرصة لخفض مستوى الاحتقان وإعادة تنظيم العلاقات بين الأطراف المعنية، شريطة أن تترافق التسوية مع تفاهمات واضحة بشأن الملفات الأمنية والسياسية، وأن تحظى بآليات عملية تضمن تنفيذها على الأرض.
ويأتي التحرك الحالي في نيروبي بعد فترة من الخلافات السياسية والأمنية التي ألقت بظلالها على الوضع في غدو، فيما تمثل الوساطة الكينية محاولة جديدة لدفع الأطراف نحو اتفاق قابل للتنفيذ ويحظى بقدر من التوافق. ولا يتوقف نجاح المسار التفاوضي على الإعلان عن الاتفاق أو صياغة بنوده، وإنما يرتبط بمدى التزام الأطراف بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وقدرتها على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة لمعالجة أي خلافات قد تظهر لاحقًا. كما أن استدامة التهدئة ستحتاج إلى تعاون سياسي وأمني ومجتمعي يضمن عدم عودة الخلافات إلى الميدان، ويمنح سكان الإقليم فرصة للعيش في بيئة أكثر استقرارًا بعيدًا عن تداعيات التجاذبات السياسية.
يُعد إقليم غدو من المناطق ذات الحساسية السياسية والأمنية في جنوب الصومال، بحكم موقعه الحدودي وتشابك المصالح المحلية والإقليمية فيه، فضلًا عن ارتباط أوضاعه بعلاقات القوى السياسية والأمنية المختلفة. وقد شهد الإقليم خلال السنوات الماضية خلافات حول النفوذ والترتيبات الأمنية والإدارية، انعكست في مراحل مختلفة على العلاقة بين الحكومة الفيدرالية وإدارة جوبالاند والقوى المحلية، وأوجدت حالة من التوتر حول إدارة الملفات الأمنية والسياسية. وفي هذا السياق، تأتي عودة جنن إلى جوبالاند ومحاولات تسوية الخلافات المرتبطة به ضمن مسار أوسع لإعادة ترتيب العلاقات بين الأطراف المعنية في غدو. وإذا تمكنت مباحثات نيروبي من إنتاج اتفاق واضح، مدعوم بتفاهمات سياسية وترتيبات عملية قابلة للتنفيذ، فقد تمثل خطوة مهمة نحو تهدئة أكثر استدامة، وتوفير أرضية لمعالجة الخلافات بالحوار بدلًا من تصعيدها، بما يعزز الاستقرار في الإقليم ويفتح المجال أمام تعاون أوسع بشأن قضاياه السياسية والأمنية والإدارية.














