أديس أبابا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
تصدر ملف مستقبل بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال (أوصوم) جدول أعمال اجتماع استثنائي رفيع المستوى عقده مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، أمس الجمعة، في مقر مفوضية الاتحاد الأفريقي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في ظل سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد تتداخل فيه اعتبارات الأمن الإقليمي مع التحولات المتسارعة في مواقف الشركاء الدوليين تجاه تمويل ودعم عمليات حفظ السلام في القارة الأفريقية. ويأتي هذا الاجتماع في لحظة حساسة بالنسبة للملف الصومالي، حيث تتواصل الجهود العسكرية والأمنية على الأرض لملاحقة الجماعات المسلحة، بالتوازي مع مسار طويل ومعقد يهدف إلى بناء مؤسسات أمنية وطنية قادرة على تحمل المسؤولية بشكل تدريجي ومنظم، وهو ما يجعل أي تغيير في منظومة الدعم الدولي مسألة ذات تأثير مباشر على مستقبل الاستقرار.
وجاء انعقاد الاجتماع عقب اطلاع مفوضية الاتحاد الأفريقي على إخطار دبلوماسي صادر عن بعثة الولايات المتحدة لدى الاتحاد الأفريقي، يتضمن موقفًا يشير إلى عدم دعم استمرار مكتب دعم الأمم المتحدة في الصومال (أونصوص) بعد انتهاء التفويض الحالي في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، وهو المكتب الذي يشكل أحد الأعمدة الأساسية في البنية اللوجستية والفنية التي تعتمد عليها بعثة أوصوم في تنفيذ عملياتها الميدانية. ويُنظر إلى هذا التطور باعتباره تحولًا مهمًا في معادلة الدعم الدولي، ليس فقط من حيث التمويل، بل أيضًا من حيث القدرة التشغيلية للبعثة، ما دفع الاتحاد الأفريقي إلى التعامل معه بوصفه ملفًا استراتيجيًا يتطلب إعادة تقييم شاملة لكافة السيناريوهات الممكنة.
وخلال الاجتماع، خُصصت جلسات مطولة امتدت لساعات لاستعراض تقارير فنية وأمنية مفصلة أعدتها إدارات متخصصة داخل مفوضية الاتحاد الأفريقي، تناولت بشكل دقيق أثر أي تغيير محتمل في منظومة الدعم الدولي على قدرة البعثة على الاستمرار في أداء مهامها. وركزت هذه التقارير على جملة من السيناريوهات، من بينها إعادة هيكلة آليات التمويل الحالية، وتوسيع نطاق الشراكات مع الدول الأفريقية، إلى جانب البحث في إمكانية تطوير نماذج تمويل أكثر استقلالية تقلل من الاعتماد على المانحين التقليديين، مع الحفاظ في الوقت ذاته على كفاءة العمليات الميدانية وعدم التأثير على مستوى الجاهزية القتالية واللوجستية.
كما ناقش الاجتماع بتفصيل موسع أهمية الحفاظ على التنسيق العملياتي بين بعثة أوصوم والحكومة الفيدرالية الصومالية، باعتباره عنصرًا حاسمًا في نجاح المرحلة الانتقالية الجارية في البلاد. وتم التأكيد على أن أي تغيير في طبيعة الدعم الدولي يجب أن يُدار ضمن إطار تدريجي دقيق، يضمن استمرار برامج التدريب وبناء القدرات، وتطوير الأجهزة الأمنية الصومالية، مع تفادي أي فراغ قد يؤدي إلى تراجع المكتسبات الأمنية أو إضعاف قدرة الدولة على بسط سلطتها في المناطق المحررة من الجماعات المسلحة، والتي لا تزال بحاجة إلى دعم مستمر لتعزيز الاستقرار فيها.
وتطرقت المناقشات أيضًا إلى التطورات الميدانية في الصومال، حيث تواصل القوات الحكومية، بدعم من شركائها الإقليميين والدوليين، تنفيذ عمليات عسكرية ضد الجماعات المتطرفة في عدة جبهات. وفي هذا السياق، شدد المشاركون على أن نجاح هذه العمليات لا يرتبط فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بمدى استدامة الدعم اللوجستي والفني، وبقدرة المؤسسات الوطنية على التكيف مع متطلبات المرحلة الانتقالية، الأمر الذي يجعل استمرارية الدعم الدولي عاملًا محوريًا في ضمان عدم حدوث أي انتكاسة أمنية قد تعيد البلاد إلى دوامة عدم الاستقرار.
وفي سياق أوسع، أعاد الاجتماع فتح نقاش استراتيجي داخل أروقة الاتحاد الأفريقي حول مستقبل تمويل عمليات دعم السلام في القارة، في ظل تغير واضح في أولويات بعض الشركاء الدوليين، وتزايد الدعوات إلى تبني مقاربة “الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية” بشكل أكثر واقعية وفاعلية. وتركز هذا النقاش على ضرورة تطوير أدوات تمويل جديدة أكثر استدامة، وتعزيز مساهمة الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، بما يسمح بتقليل الاعتماد على التمويل الخارجي، دون الإضرار بقدرة البعثات على تنفيذ مهامها الحيوية في بيئات أمنية معقدة.
كما خلصت المناقشات إلى أن المرحلة المقبلة ستشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المنظومة الأفريقية على إدارة التحولات الدولية المتسارعة، خاصة في ما يتعلق بإعادة تشكيل أدوار الشركاء التقليديين في عمليات حفظ السلام. وأكد المشاركون أن نجاح هذه المرحلة يتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى، تقوم على التوازن بين تعزيز الاستقلالية الأفريقية في إدارة الملفات الأمنية، والحفاظ على الشراكات الدولية التي لا تزال تمثل عنصرًا مهمًا في دعم الاستقرار.
وفي ظل استمرار المشاورات بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والدول الشريكة، تبقى الأنظار متجهة نحو القرارات التنفيذية التي ستصدر خلال الفترة المقبلة، والتي من شأنها أن تحدد ملامح المرحلة التالية من الوجود الأمني الدولي في الصومال، سواء من حيث الاستمرار أو إعادة الهيكلة أو الانتقال إلى نماذج دعم جديدة أكثر مرونة واستدامة، بما ينسجم مع التغيرات المتسارعة في البيئة الأمنية الإقليمية والدولية.
تؤكد هذه التطورات أن ملف الأمن في الصومال لم يعد مجرد قضية عمليات عسكرية أو دعم لوجستي، بل أصبح جزءًا من معادلة دولية وإقليمية معقدة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والأمن. وفي ظل هذا التحول، تبرز الحاجة إلى بناء نموذج أكثر توازنًا يقوم على تعزيز القدرات الوطنية الصومالية، وتطوير دور الاتحاد الأفريقي كشريك استراتيجي، وإعادة صياغة آليات التعاون الدولي بما يضمن الاستدامة. وبينما تتغير قواعد اللعبة الدولية تدريجيًا، يبقى نجاح الصومال في هذه المرحلة مرهونًا بقدرته على تحويل التحديات إلى فرص، وبناء منظومة أمنية ذاتية قادرة على حماية الاستقرار وترسيخ الدولة على المدى البعيد.














