غروي – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
نجحت لجنة وساطة أهلية تضم شخصيات سياسية ووجهاء مجتمع ورجال أعمال من إقليم نوغال في احتواء جانب مهم من التوتر الأمني الذي خيّم خلال الأيام الأخيرة على مدينة غروي والمناطق المحيطة بها، عقب تحركات عسكرية متزامنة لقوات تابعة لإدارة بونتلاند وأخرى موالية للحكومة الفيدرالية. وجاء هذا التحرك متزامنًا مع تصاعد المخاوف الشعبية من احتمال انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مسلحة قد تترك آثارًا واسعة على الأمن والاستقرار، وتنعكس سلبًا على حركة السكان والأنشطة الاقتصادية، فضلًا عن تأثيرها في الجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار في شمال شرقي الصومال. وتحركت اللجنة، مدفوعةً بخطورة المؤشرات الميدانية، لفتح قنوات تواصل مباشرة بين الأطراف المعنية، مستهدفةً خفض مستوى الاحتقان وإعادة الأزمة إلى مسارها السياسي قبل اتساع نطاقها.
وفي إطار المساعي الهادفة إلى تثبيت هذا المسار، عقدت اللجنة اجتماعًا مطولًا مع رئيس إدارة بونتلاند، سعيد عبد الله دني، استعرضت خلاله مجمل التطورات الأمنية وانعكاساتها المحتملة على استقرار الإقليم، مؤكدةً أن الحفاظ على الأمن يتطلب تغليب لغة الحوار وتوفير مساحة كافية أمام المبادرات المجتمعية للقيام بدورها. كما دعت إلى معالجة الخلافات عبر الوسائل السياسية والقانونية، بعيدًا عن أي إجراءات قد تزيد من حدة التوتر. وأبدى رئيس الإدارة، من جانبه، تفهمًا لأهداف الوساطة، مؤكدًا أهمية تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى تعقيد المشهد، مع استمرار تمسك إدارته بموقفها من القضايا الخلافية.
وامتدادًا للتحرك ذاته، انتقلت جهود اللجنة إلى التواصل مع اللواء جمعالي جامع سمتر (تكار)، قائد الفرقة الرابعة والخمسين في الجيش الوطني الصومالي، طالبةً منه تأجيل زيارته المقررة إلى مدينة غروي خلال هذه المرحلة الدقيقة، تجنبًا لأي تحرك قد يُفسر باعتباره تصعيدًا ميدانيًا. وتشير المعلومات إلى أن اللواء استجاب لطلب الوسطاء، معلنًا استعداده لتأجيل الزيارة دعمًا لجهود التهدئة، ومؤكدًا أن القوات التي يقودها لا تستهدف أمن بونتلاند أو استقرارها، ولا تعتزم تنفيذ أي عمليات عسكرية داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة. ورأت اللجنة في هذه الاستجابة خطوة إيجابية من شأنها توفير أجواء أكثر هدوءًا، ممهدةً الطريق أمام استكمال المشاورات السياسية.
ويكتسب هذا التحرك أهمية خاصة لأنه جاء عقب قرار مجلس وزراء بونتلاند بمنع مسؤولي الحكومة الفيدرالية والقوات التابعة لها من دخول المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة، وهو القرار الذي أعاد الخلافات السياسية والأمنية بين مقديشو وغروي إلى واجهة المشهد. وفي ظل هذه المعطيات، يرى مراقبون أن نجاح الوساطة المحلية في تهدئة الأوضاع يعكس تنامي الدور الذي تؤديه القيادات المجتمعية والاقتصادية في إدارة الأزمات، مستندةً إلى ما تحظى به من قبول وثقة لدى مختلف الأطراف، الأمر الذي قد يسهم في إعادة فتح قنوات الحوار ضمن الأطر الدستورية والمؤسسية.
ومع استمرار مؤشرات الانفراج، أفادت مصادر مقربة من لجنة الوساطة بأن اللجنة تعتزم مواصلة لقاءاتها مع مختلف الأطراف خلال الأيام المقبلة، تمهيدًا لطرح حزمة من التوصيات العملية الرامية إلى تثبيت التهدئة، وتعزيز الثقة المتبادلة بين المؤسسات الأمنية والسياسية، ومنع عودة التوتر. كما تعمل على بلورة آلية دائمة للتنسيق والتواصل، كفيلةٍ بمعالجة أي تطورات مستقبلية قبل تحولها إلى أزمات ميدانية، مع التأكيد أن حماية المدنيين وصون السلم الأهلي مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تعاون جميع القوى السياسية والاجتماعية.
تشهد العلاقات بين الحكومة الفيدرالية وإدارة بونتلاند منذ سنوات تباينات متكررة بشأن عدد من الملفات الدستورية والسياسية والأمنية، من بينها توزيع الصلاحيات بين المركز والولايات، وإدارة المؤسسات الأمنية، وآليات تقاسم السلطة والموارد. وقد انعكست هذه الخلافات في مناسبات عدة على المشهدين السياسي والأمني، غير أن التجارب السابقة أثبتت أن الحوار المباشر والوساطات المحلية ظلا من أكثر الأدوات فاعلية في احتواء الأزمات ومنع تحولها إلى مواجهات مفتوحة. واستنادًا إلى تلك التجارب، يرى محللون أن تعزيز ثقافة الحوار، وتفعيل قنوات التواصل بين الحكومة الفيدرالية والإدارات الإقليمية، ودعم المبادرات المجتمعية، تمثل مجتمعةً ركائز أساسية لترسيخ الاستقرار، وتعزيز الثقة المتبادلة، ودفع مسار بناء دولة صومالية موحدة وقادرة على إدارة خلافاتها عبر المؤسسات والوسائل السلمية.














