أديس أبابا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
أعاد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي ملف الوصول إلى البحر الأحمر إلى صدارة النقاشات السياسية في المنطقة، مؤكدًا أن فقدان إثيوبيا منفذها المباشر إلى البحر الأحمر لم يكن نتيجة ضغوط خارجية فقط، وإنما كان بسبب ما وصفه بالانقسامات السياسية الداخلية وضعف إدارة الخلافات داخل البلاد، في تصريحات أدلى بها أول أمس الأربعاء خلال افتتاح منتدى الحوار الوطني الإثيوبي بالعاصمة أديس أبابا.
وقال آبي إن إثيوبيا فقدت منفذها البحري نتيجة عوامل داخلية استغلتها قوى خارجية، معتبرًا أن الانقسامات السياسية والصراعات الداخلية وفرت فرصًا لدول أجنبية للتدخل والتأثير في القضايا الاستراتيجية المرتبطة بمصالح إثيوبيا.
وأضاف رئيس الوزراء الإثيوبي أن بلاده كانت، على حد تعبيره، مرتبطة بالبحر الأحمر تاريخيًا، وأنها أدارت واستفادت من هذا الممر البحري لآلاف السنين، قبل أن تتحول بعد فقدان سواحلها إلى ما وصفه بـ”السجينة الجغرافية”، في إشارة إلى وضع إثيوبيا كأكبر دولة غير ساحلية في العالم من حيث عدد السكان.
وأكد آبي أن التحديات التي تواجه إثيوبيا في ملف البحر الأحمر لا ترتبط بقدرة قوى خارجية على منعها من تحقيق مصالحها بشكل دائم، وإنما تعود بشكل أساسي إلى فشل الإثيوبيين في إدارة خلافاتهم السياسية الداخلية بطريقة سلمية، داعيًا إلى تجاوز الانقسامات الداخلية التي يرى أنها تعيق تحقيق الأهداف الاستراتيجية للبلاد.
وتأتي تصريحات آبي في وقت جعلت فيه حكومته ملف الوصول إلى البحر الأحمر أحد أبرز أولويات سياستها الخارجية، خاصة منذ فقدان إثيوبيا لسواحلها بعد استقلال إريتريا عام 1993، وهو التطور الذي دفع أديس أبابا إلى البحث عن ترتيبات جديدة تضمن لها منفذًا بحريًا عبر اتفاقيات مع دول المنطقة.
آبي يحذر من استغلال الخلافات الداخلية
وخلال حديثه أمام المشاركين في منتدى الحوار الوطني، وجه آبي أحمد رسائل انتقاد إلى دول لم يسمها، اتهمها باستغلال فترات الخلاف الداخلي في إثيوبيا لتحقيق مصالح خاصة، مشيرًا إلى وجود أطراف وصفها بأنها تحمل “عداءً تاريخيًا” تجاه بلاده وتنتظر لحظات الانقسام للتدخل.
وقال آبي إن بعض الدول لا تظهر عندما تكون إثيوبيا في مرحلة البناء والتنمية، لكنها تظهر عند وقوع الخلافات الداخلية، من خلال تقديم الدعم العسكري والمالي والإعلامي لأطراف معينة، معتبرًا أن هذه التحركات تهدف إلى إضعاف الدولة واستغلال نقاط ضعفها.
وشبه رئيس الوزراء الإثيوبي تلك القوى الخارجية بـ”النسور التي تحلق فوق سماء إثيوبيا”، في إشارة إلى ما اعتبره انتظار بعض الأطراف فرصة للاستفادة من الأزمات الداخلية، مؤكدًا أن الشعب الإثيوبي هو من يملك القرار بشأن كيفية إدارة موارده ومصالحه الوطنية.
ويرى مراقبون أن تصريحات آبي تحمل رسائل سياسية موجهة إلى دول الجوار، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات المرتبطة بالبحر الأحمر، وسد النهضة، والأوضاع الأمنية في شمال إثيوبيا، إضافة إلى التوتر المتجدد في العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة.
توتر إثيوبي إريتري وقلق إقليمي
وشهدت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا خلال الأشهر الماضية تراجعًا جديدًا، وسط تبادل الاتهامات بشأن التدخلات السياسية والاستعدادات العسكرية، في وقت تنظر فيه إريتريا بحذر إلى تصريحات المسؤولين الإثيوبيين المتعلقة بالبحث عن منفذ بحري.
وتؤكد أسمرة أن أي تحركات إثيوبية للحصول على منفذ بحري يجب ألا تمس سيادتها أو تهدد موانئها، بينما تقول أديس أبابا إنها تسعى إلى تحقيق هذا الهدف من خلال وسائل سلمية واتفاقيات قانونية وتجارية مع دول المنطقة.
وتظل قضية البحر الأحمر واحدة من أكثر الملفات حساسية في القرن الإفريقي، نظرًا للأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية التي تربط بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا، إضافة إلى ارتباطها بالتجارة العالمية وأمن الطاقة.
الخلاف بين الصومال وإثيوبيا
وكان ملف المنفذ البحري الإثيوبي قد تسبب في توتر كبير بين الصومال وإثيوبيا عقب توقيع مذكرة تفاهم بين آبي أحمد والرئيس السابق لإدارة أرض الصومال موسى بيحي عبدي في يناير 2024.
ونص الاتفاق، وفق ما أعلنته إدارة أرض الصومال حينها، على منح إثيوبيا إمكانية استخدام جزء من الساحل الشمالي للصومال، مقابل إمكانية اعتراف أديس أبابا بالإدارة التي أعلنت انفصالها من جانب واحد.
ورفضت الحكومة الفيدرالية الصومالية الاتفاق بشكل قاطع، معتبرة أنه يمثل انتهاكًا لسيادة الصومال ووحدته الإقليمية، وأكدت أن إدارة أرض الصومال لا تملك صلاحية قانونية للتصرف في أراضٍ أو مياه بحرية تابعة للدولة الصومالية.
وأدى الخلاف إلى تدهور العلاقات بين مقديشو وأديس أبابا إلى مستوى غير مسبوق خلال سنوات، قبل أن تتدخل تركيا للوساطة بين الطرفين، حيث عقدت محادثات بين الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وآبي أحمد في العاصمة التركية أنقرة.
وفي ديسمبر 2024، وقع الطرفان اتفاق أنقرة الذي أكد احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي البلدين، ونص على إمكانية حصول إثيوبيا على منفذ بحري آمن ومستدام من خلال اتفاقيات تجارية مباشرة مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، على أن يكون أي استخدام للموانئ أو الأراضي البحرية تحت السيادة الصومالية.
الحوار الوطني وتحديات الداخل الإثيوبي
وجاءت تصريحات آبي أحمد علي خلال منتدى الحوار الوطني الإثيوبي الذي شارك فيه نحو أربعة آلاف شخص يمثلون مختلف المناطق والمؤسسات المدنية والجاليات الإثيوبية في الخارج، حيث يناقش المنتدى ملفات سياسية وأمنية حساسة تشمل النظام الفيدرالي، والخلافات القومية، والأمن، والهوية السياسية.
إلا أن المنتدى يواجه انتقادات من بعض القوى المعارضة والجماعات المسلحة التي ترى أنه لا يمثل جميع الأطراف، خاصة مع غياب بعض الأحزاب السياسية المعارضة وعدم مشاركة جهات مسلحة، إضافة إلى رفض إدارة إقليم تيغراي المشاركة في الحوار.
وأكد آبي أن إثيوبيا اعتادت لفترة طويلة على إدارة الخلافات السياسية عبر التصعيد والخطابات الحادة، ثم الانتقال إلى القوة والصراع، داعيًا إلى إنهاء هذا النهج والبحث عن حلول سياسية دائمة.
وقال إن جميع الخلافات الداخلية يمكن مناقشتها والتفاوض بشأنها داخل منصات الحوار الوطني، داعيًا المشاركين إلى عدم السماح للخلافات الداخلية بإضعاف المصالح الاستراتيجية لإثيوبيا، وعلى رأسها السعي للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر.
يمثل ملف البحر الأحمر قضية استراتيجية محورية في السياسة الإثيوبية منذ فقدان إثيوبيا سواحلها عقب استقلال إريتريا عام 1993. وخلال السنوات الأخيرة، أعادت أديس أبابا طرح أهمية الحصول على منفذ بحري باعتباره مرتبطًا بالتجارة والأمن القومي والتنمية الاقتصادية، إلا أن هذا الملف ظل مصدر توتر مع بعض دول الجوار، خصوصًا الصومال وإريتريا، وسط تأكيدات إقليمية على ضرورة احترام السيادة والقانون الدولي للحفاظ على استقرار القرن الإفريقي.














