مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
أكد قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) الجنرال داغفين ر. م. أندرسون، خلال حديثه مع وسائل الإعلام في العاصمة الصومالية مقديشو، أن الولايات المتحدة لا تخطط لإقامة قاعدة عسكرية في المناطق الخاضعة لإدارة صوماليلاند، مشددًا في الوقت ذاته على أن موقف واشنطن السياسي تجاه ملف صوماليلاند لم يشهد أي تغيير، وأن الولايات المتحدة ما تزال ملتزمة بدعم سيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدتها وسلامة أراضيها.
وجاءت تصريحات قائد أفريكوم في وقت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي اهتمامًا دوليًا متزايدًا بسبب موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر وخليج عدن، وفي ظل تصاعد التكهنات خلال الفترة الماضية حول طبيعة التحركات الأمريكية في المنطقة، خاصة بعد زيارات قام بها مسؤولون أمريكيون إلى مدينتي هرجيسا وبربرة، الأمر الذي فتح باب التكهنات بشأن احتمال وجود ترتيبات عسكرية جديدة.
وأوضح الجنرال أندرسون أن السياسة الأمريكية تجاه الصومال لا تزال ثابتة، وأن واشنطن تواصل تعاملها مع الحكومة الفيدرالية الصومالية باعتبارها الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا، مؤكدًا أن العلاقات الأمنية بين البلدين تستند إلى التعاون المشترك في مواجهة التحديات الأمنية، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب وتعزيز قدرات المؤسسات الأمنية الصومالية.
وأضاف أن الولايات المتحدة ستواصل دعم جهود تحقيق الاستقرار في الصومال، من خلال الشراكة الأمنية والتدريب وتبادل المعلومات والخبرات، مشيرًا إلى أن بناء قدرات القوات الصومالية وتمكينها من تحمل مسؤولياتها الأمنية يمثلان عنصرين أساسيين في الاستراتيجية الأمريكية تجاه البلاد.
نفي إنشاء وجود عسكري جديد
وشدد قائد أفريكوم على أن الولايات المتحدة لا تمتلك أي خطة لإنشاء قاعدة عسكرية في صوماليلاند، في تصريح يأتي لوضع حد للتقارير والتكهنات التي ربطت بين الأهمية الجغرافية للمنطقة وبين احتمال إقامة منشأة عسكرية أمريكية على ساحل خليج عدن.
وأشار إلى أن التحركات والزيارات التي يقوم بها المسؤولون العسكريون الأمريكيون في المنطقة تأتي ضمن إطار التواصل والتقييم الأمني وبحث مجالات التعاون، ولا تعني وجود توجه لإقامة قواعد عسكرية جديدة أو تغيير طبيعة الوجود الأمريكي في الصومال.
وتحمل هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل المنافسة المتزايدة بين القوى الدولية والإقليمية على النفوذ في منطقة البحر الأحمر، حيث أصبحت المواقع الساحلية والممرات البحرية الحيوية محورًا رئيسيًا في الحسابات الأمنية والاستراتيجية للدول الكبرى.
ويرى مراقبون أن موقف أفريكوم يعكس رغبة واشنطن في الحفاظ على علاقاتها الأمنية مع الصومال ضمن الإطار الرسمي القائم، مع تجنب الدخول في ترتيبات قد تُفسر على أنها تحول في سياستها تجاه القضايا السياسية الداخلية والإقليمية المرتبطة بالصومال.
الموقف الأمريكي من الاعتراف بصوماليلاند
وأكد الجنرال أندرسون أن الولايات المتحدة لم تغير موقفها بشأن قضية الاعتراف بصوماليلاند، وأن سياستها الخارجية ما تزال قائمة على دعم وحدة الأراضي الصومالية وسيادة الحكومة الفيدرالية على كامل البلاد.
ويأتي هذا التأكيد في ظل استمرار مساعي صوماليلاند للحصول على اعتراف دولي منذ إعلان انفصالها عن الصومال عام 1991، في حين تتمسك مقديشو بمبدأ وحدة الدولة الصومالية، وتؤكد أن مستقبل القضايا السياسية المتعلقة بمختلف المناطق يجب أن يُناقش عبر الحوار الوطني والمؤسسات الدستورية.
ويعتقد محللون أن تجديد واشنطن لموقفها بشأن وحدة الصومال يحمل رسالة سياسية واضحة إلى مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، مفادها أن التعاون الأمني لا يعني بالضرورة تغيير المواقف الدبلوماسية أو القانونية المتعلقة بوضع صوماليلاند.
كما يرون أن الملف سيظل حاضرًا في حسابات القوى الدولية بسبب ارتباطه بقضايا الأمن البحري والتجارة العالمية والتنافس الجيوسياسي في منطقة القرن الأفريقي.
بربرة.. موقع استراتيجي في قلب المنافسة الإقليمية
وتتمتع مدينة بربرة بأهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعها على خليج عدن، وقربها من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من حركة التجارة والطاقة بين القارات.
وقد جعل هذا الموقع الجغرافي المنطقة محط اهتمام عدد من القوى الإقليمية والدولية، التي تنظر إلى سواحل القرن الأفريقي باعتبارها جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن البحري في البحر الأحمر والمحيط الهندي.
وخلال السنوات الماضية، شهد ميناء بربرة تطورات اقتصادية واستثمارية، إلى جانب اهتمام أمني متزايد بسبب قربه من خطوط الملاحة الدولية، ما عزز مكانته ضمن الحسابات الاستراتيجية للعديد من الدول.
ورغم هذه الأهمية، تؤكد واشنطن أن تعاملها مع الملفات الأمنية في الصومال والمنطقة يتم من خلال القنوات الرسمية، وبالتنسيق مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، بما ينسجم مع موقفها المعلن بشأن وحدة البلاد.
تداخل المصالح الدولية في القرن الأفريقي
ولا يقتصر الاهتمام بصوماليلاند على الولايات المتحدة، إذ أصبحت المنطقة جزءًا من مشهد إقليمي معقد تتداخل فيه مصالح عدد من الأطراف، من بينها إسرائيل وإثيوبيا والإمارات العربية المتحدة وتركيا وجيبوتي، بسبب الموقع الجغرافي الحساس والثروات والممرات البحرية القريبة.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه منطقة البحر الأحمر تحولات أمنية متسارعة، خاصة مع تنامي المخاطر التي تهدد الملاحة الدولية، وارتفاع أهمية تأمين الممرات البحرية الاستراتيجية.
كما شكل الاتفاق الموقع بين إثيوبيا وصوماليلاند عام 2024 أحد أبرز التطورات التي أثارت جدلًا سياسيًا واسعًا في المنطقة، بعدما اعتبرت الحكومة الفيدرالية الصومالية أن أي اتفاقات تتعلق بالأراضي أو السواحل الصومالية يجب أن تتم عبر المؤسسات الوطنية وبما يحترم سيادة البلاد.
ويرى مراقبون أن استمرار التنافس الدولي في القرن الأفريقي سيجعل المنطقة ساحة مهمة للتوازنات السياسية والأمنية خلال السنوات المقبلة، خصوصًا في ظل ارتباطها المباشر بأمن التجارة العالمية.
واشنطن تواصل دعمها الأمني لمقديشو
وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة شراكتها الأمنية مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، عبر تقديم الدعم في مجالات التدريب العسكري، وتطوير القدرات الاستخباراتية، والمساندة اللوجستية للقوات الصومالية.
وتعد القوات الخاصة الصومالية “دنب” إحدى أبرز نتائج التعاون الأمني بين البلدين، حيث تلقت تدريبًا ودعمًا أمريكيًا، وأصبحت من الوحدات الرئيسية المشاركة في العمليات ضد حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة.
وأكدت واشنطن مرارًا أن نجاح الحرب ضد الإرهاب في الصومال يعتمد على قدرة المؤسسات الوطنية الصومالية على قيادة العمليات الأمنية وتحمل مسؤولياتها، مع استمرار الدعم الدولي خلال المرحلة الانتقالية.
ويرى مراقبون أن هذا النهج يعكس توجهًا أمريكيًا يقوم على دعم بناء مؤسسات الدولة الصومالية بدل إقامة وجود عسكري منفصل، مع الحفاظ على شراكات أمنية مرنة تخدم المصالح المشتركة.
تأتي تصريحات قائد أفريكوم الجنرال داغفين أندرسون في مرحلة حساسة تشهد فيها منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر إعادة ترتيب للتوازنات الأمنية والسياسية، في ظل تنافس دولي متزايد على المواقع الاستراتيجية والممرات البحرية الحيوية. وبينما تواصل صوماليلاند التركيز على أهمية موقعها الجغرافي وتعزيز علاقاتها الخارجية، تؤكد الولايات المتحدة استمرار سياستها الداعمة لوحدة الصومال، ونفي أي توجه لإقامة قاعدة عسكرية أو تغيير موقفها بشأن الاعتراف، مع مواصلة شراكتها الأمنية مع الحكومة الفيدرالية الصومالية لمواجهة الإرهاب وتعزيز الاستقرار في المنطقة.














