تقرير: وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
إعداد: موسى أحمد عيسى
في وقت تتزايد فيه أهمية البحر الأحمر وخليج عدن باعتبارهما من أكثر الممرات البحرية حيوية على مستوى العالم، تتصاعد المخاوف بشأن مستقبل الأمن البحري في المنطقة وسط تحولات سياسية وأمنية متسارعة وتنامي أنماط جديدة من التهديدات تتجاوز المفاهيم التقليدية للأمن البحري. وبينما تتقاطع في هذه المنطقة الحساسة مصالح إقليمية ودولية متشابكة، يحذر خبراء وباحثون من أن استمرار الهشاشة الأمنية واتساع نطاق التنافس الجيوسياسي قد يدفعان المنطقة نحو مزيد من التعقيد وعدم الاستقرار.
هذه التحديات كانت محور ندوة علمية متخصصة نظمتها منصة دراسات الأمن والسلام (PSSP)، حيث ناقش أكاديميون وخبراء أمنيون وباحثون في الشؤون الاستراتيجية مستقبل الأمن البحري في البحر الأحمر وخليج عدن، في ظل ما وصفوه بتنامي “المناطق الرمادية” التي تتراجع فيها قدرة الدول على فرض السيطرة الكاملة لصالح فاعلين غير حكوميين وشبكات عابرة للحدود.
وخلال افتتاح الندوة، أكد الدكتور إبراهيم ناصر أن البيئة الأمنية البحرية في المنطقة تشهد تحولات عميقة ومتسارعة، مشيراً إلى أن الهجمات التي استهدفت السفن التجارية خلال السنوات الأخيرة كشفت محدودية المقاربات الأمنية التقليدية في مواجهة التهديدات الحديثة التي باتت أكثر تعقيداً وتشابكاً.
من جانبه، قدم الدكتور محمد صالح عمر، مدير المركز الأفريقي للأبحاث ودراسة السياسات، قراءة معمقة لطبيعة التحديات الأمنية في البحر الأحمر، موضحاً أن المنطقة تمثل فضاءً استراتيجياً غير متجانس، تتجاور فيه مناطق مستقرة نسبياً مع أخرى تعاني من هشاشة أمنية مزمنة. وأضاف أن كثرة الجزر والممرات البحرية الضيقة تمنح بعض الفاعلين فرصاً لاستغلال الثغرات الأمنية وتهديد حركة الملاحة الدولية.
وأشار إلى أن أبرز التحديات التي تواجه الدول المطلة على البحر الأحمر تتمثل في ضعف التنسيق الإقليمي وتفاوت القدرات الأمنية والبحرية، داعياً إلى إعادة تنشيط آليات التعاون المشترك وتطوير منظومة إقليمية أكثر فاعلية في مجال المراقبة البحرية وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وفي واحدة من أبرز مداخلات الندوة، تناول الدكتور عبد القادر محمد غولني، المدير العام لوكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)، ظاهرة عودة القرصنة إلى السواحل الصومالية، واصفاً ما يجري بأنه “موجة ثانية” تختلف في ظروفها وسياقاتها عن الموجة التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين.
وأوضح غولني أن عودة القرصنة لا يمكن فهمها بمعزل عن المتغيرات السياسية والأمنية والجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، مشيراً إلى أن التحديات المرتبطة ببناء الدولة واستمرار بعض الثغرات الأمنية في المناطق الساحلية أسهمت في خلق بيئة مواتية لنشاط شبكات الجريمة المنظمة.
كما لفت إلى أن التوسع في أنشطة التنقيب عن النفط والغاز والمعادن في المياه الصومالية أضفى أبعاداً جديدة على المشهد الأمني، حيث أصبحت الموارد الطبيعية عاملاً إضافياً في حسابات التنافس الإقليمي والدولي داخل المنطقة.
وفي السياق نفسه، أشار إلى أن التحولات التي شهدها الدور التركي في الصومال، وانتقاله من التركيز على المساعدات الإنسانية إلى شراكات استراتيجية تشمل مجالات الأمن والدفاع وحماية السواحل والاستثمار في الموارد الطبيعية، تمثل أحد المتغيرات المؤثرة في إعادة تشكيل البيئة الأمنية في البحر الأحمر وخليج عدن.
كما أثار غولني تساؤلات حول فعالية الجهود الدولية الحالية لمكافحة القرصنة، مشيراً إلى أن استمرار وقوع حوادث بحرية رغم الوجود العسكري الدولي المكثف يستدعي مراجعة شاملة للأدوات والاستراتيجيات المتبعة لمعالجة جذور المشكلة وليس فقط مظاهرها الأمنية.
وتقاطعت هذه الرؤية مع ما طرحه الباحث يحيى عبد الرحمن، الذي أشار إلى أن توقيت بعض عمليات الاختطاف البحري الأخيرة جاء متزامناً مع تطورات اقتصادية واستراتيجية مهمة شهدتها السواحل الصومالية، ما يعكس تداخلاً معقداً بين العوامل الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية.
وفي محور آخر من الندوة، حذر عدد من الباحثين والخبراء الدوليين من تصاعد حدة التنافس الدولي في البحر الأحمر، مؤكدين أن المنطقة أصبحت ساحة مفتوحة لتقاطعات النفوذ والمصالح الاستراتيجية، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة الضغوط على الدول الساحلية وإضعاف فرص بناء منظومة أمنية مستقرة ومستدامة.
ولم تقتصر النقاشات على التهديدات التقليدية المرتبطة بالقرصنة والجريمة المنظمة، بل امتدت إلى المخاطر السيبرانية المتنامية، حيث أكد مختصون في الأمن الرقمي أن الممرات البحرية باتت عرضة لهجمات إلكترونية متقدمة تستهدف أنظمة الملاحة والسفن والبنية التحتية البحرية، بما في ذلك الكابلات البحرية التي تمثل شرياناً رئيسياً للاتصالات العالمية.
ودعا المشاركون إلى الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة التحليل المتقدمة في تطوير قدرات الرصد والإنذار المبكر وتعزيز حماية الموانئ والممرات البحرية، بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الحديثة والمتغيرة.
واختتمت الندوة أعمالها بالتأكيد على أن أمن البحر الأحمر لم يعد قضية تخص دولة بعينها، بل أصبح مسؤولية جماعية تتطلب شراكات إقليمية ودولية أكثر فاعلية، تقوم على تبادل المعلومات وتنسيق الجهود وتعزيز الثقة بين الدول المشاطئة، بما يضمن حماية المصالح المشتركة والحفاظ على استقرار أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
يمثل البحر الأحمر وخليج عدن شرياناً حيوياً للتجارة الدولية، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من حركة التجارة والطاقة العالمية، ما يجعله من أكثر الممرات البحرية حساسية واستراتيجية على مستوى العالم. وخلال السنوات الأخيرة، واجهت المنطقة تحديات متزايدة تمثلت في عودة بعض أنشطة القرصنة، وتصاعد التوترات الإقليمية، وتنامي التهديدات السيبرانية، فضلاً عن احتدام التنافس الدولي على النفوذ والمواقع الاستراتيجية.
ويرى خبراء أن مستقبل الاستقرار في البحر الأحمر سيظل مرتبطاً بقدرة الدول الساحلية على بناء منظومة أمنية جماعية فعالة تتجاوز الحسابات الضيقة والخلافات السياسية، وتؤسس لشراكات مستدامة قادرة على حماية الملاحة الدولية وصون الأمن الإقليمي في واحدة من أكثر المناطق أهمية وحساسية في العالم.














