مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في خطوة دبلوماسية تحمل دلالات سياسية واستراتيجية، استقبلت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في الحكومة الفيدرالية الصومالية، اليوم الأحد، نسخًا من أوراق اعتماد السفير الجزائري الجديد لدى الصومال، محمد عليم، إيذانًا ببدء الإجراءات الرسمية لعودته إلى العمل الدبلوماسي في مقديشو، وذلك بالتزامن مع استعداد الجزائر لإعادة افتتاح سفارتها في العاصمة الصومالية بعد توقف دام نحو أربعة عقود.
وتعكس هذه الخطوة تحولًا مهمًا في مسار العلاقات الثنائية بين الصومال والجزائر، التي تمتد جذورها إلى عقود من التعاون والتنسيق في القضايا العربية والإفريقية والإسلامية، حيث تسعى الحكومتان إلى إعادة بناء جسور التواصل وتعزيز الشراكة في مرحلة تشهد فيها الصومال جهودًا واسعة لترسيخ مؤسسات الدولة، وتطوير قدراتها الأمنية والاقتصادية، والانفتاح على شراكات دولية أكثر فاعلية.
وأكدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الصومالية أن عودة التمثيل الدبلوماسي الجزائري تمثل فرصة لتعزيز التعاون المشترك بين البلدين، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة يمكن أن تشهد توسعًا في مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي، بما ينسجم مع المصالح المشتركة ويعزز العلاقات التاريخية التي تجمع مقديشو والجزائر.
عودة دبلوماسية بعد غياب طويل
ورحب وزير الخارجية والتعاون الدولي بالسفير الجزائري الجديد محمد عليم خلال مراسم تسلم نسخ أوراق الاعتماد، مؤكدًا حرص الحكومة الفيدرالية الصومالية على تطوير العلاقات الثنائية مع الجزائر، والعمل على فتح مسارات جديدة للتعاون بين المؤسسات الحكومية في البلدين.
وأشار الجانب الصومالي إلى أن العلاقات مع الجزائر تقوم على أسس تاريخية متينة، إذ شكل البلدان خلال العقود الماضية شريكين في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، خاصة داخل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الإفريقي، الأمر الذي يمنح العلاقات الحالية أرضية سياسية قوية للانتقال نحو مرحلة أكثر نشاطًا.
ويرى مراقبون أن إعادة فتح السفارة الجزائرية في مقديشو تمثل رسالة سياسية تعكس اهتمام الجزائر المتجدد بالصومال، وتؤكد رغبة البلدين في تعزيز التواصل المباشر وتفعيل قنوات التعاون الرسمي، بعد فترة طويلة اقتصر خلالها التمثيل الدبلوماسي على مستويات محدودة.
بداية الإجراءات الرسمية للاعتماد
ويأتي تسلم وزارة الخارجية الصومالية لنسخ أوراق اعتماد السفير الجزائري ضمن الإجراءات الدبلوماسية المتبعة قبل تقديم الأوراق الأصلية إلى رئيس جمهورية الصومال الفيدرالية، وهي المرحلة التي تمنح السفير الاعتماد الرسمي الكامل لممارسة مهامه الدبلوماسية وفق الأعراف الدولية.
ورغم أن تقديم نسخ أوراق الاعتماد لا يمثل نهاية الإجراءات القانونية، فإنه يعد خطوة عملية تسمح للسفير ببدء التواصل مع الجهات الحكومية الصومالية، والعمل على ترتيب الملفات المشتركة، والتحضير لبرنامج عمل السفارة خلال المرحلة المقبلة.
ومن المتوقع أن يركز عمل البعثة الدبلوماسية الجزائرية في مقديشو على إعادة بناء الهيكل الإداري للسفارة، وتوسيع العلاقات مع المؤسسات الصومالية، وتعزيز التعاون في القطاعات التي حددها الجانبان باعتبارها أولويات مشتركة.
تعاون متعدد المجالات
وأكدت الحكومة الفيدرالية الصومالية أن العلاقات المقبلة مع الجزائر ستتجه نحو تعزيز التعاون في أربعة مسارات رئيسية تشمل السياسة والاقتصاد والأمن والثقافة، وهي مجالات تمثل أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها الصومال والمنطقة.
ويكتسب التعاون الاقتصادي أهمية متزايدة، في ظل حاجة الصومال إلى توسيع شراكاته الاستثمارية والاستفادة من تجارب الدول الإفريقية والعربية في مجالات التنمية والبنية التحتية والطاقة والتعليم، بينما تمتلك الجزائر خبرات واسعة يمكن أن تشكل قاعدة للتعاون المستقبلي.
كما يمثل المجال الثقافي أحد الجوانب المهمة في العلاقات بين البلدين، عبر تعزيز التبادل الأكاديمي والثقافي، وتشجيع التواصل بين المؤسسات التعليمية ومراكز البحث، بما يدعم التقارب الشعبي بين الشعبين الصومالي والجزائري.
البعد الأمني في العلاقات الجديدة
ويأتي الملف الأمني ضمن المجالات التي قد تشهد تطورًا ملحوظًا خلال المرحلة المقبلة، بالنظر إلى الخبرة الجزائرية الطويلة في التعامل مع تحديات مكافحة الإرهاب والأزمات الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي.
وتعمل الصومال على تعزيز قدرات مؤسساتها الأمنية والعسكرية، وبناء قوات وطنية أكثر مهنية واستقلالية، وهو ما يجعل التعاون مع الدول ذات الخبرة الأمنية أحد المسارات المهمة لدعم جهودها في مواجهة التحديات الأمنية المستمرة.
ويرى محللون أن تبادل الخبرات والتنسيق الأمني بين مقديشو والجزائر يمكن أن يساهم في تطوير قدرات المؤسسات الصومالية، خصوصًا في مجالات التدريب وبناء القدرات وتطوير السياسات الأمنية.
مسار دبلوماسي متبادل
وتأتي عودة السفارة الجزائرية إلى مقديشو ضمن مسار متبادل بدأته الصومال بإعادة فتح سفارتها في الجزائر العاصمة خلال يناير 2025، في إطار سياسة تهدف إلى تعزيز الحضور الدبلوماسي الصومالي في الخارج وإعادة تنشيط العلاقات الثنائية.
وفي أغسطس من العام نفسه، افتتحت وزارة الخارجية الصومالية مقرًا جديدًا لسفارتها في الجزائر بحضور مسؤولين جزائريين، حيث تم التأكيد على عمق العلاقات التاريخية والرغبة المشتركة في تطوير التعاون بين البلدين.
ويعكس هذا التبادل الدبلوماسي رغبة واضحة لدى الطرفين في بناء علاقة أكثر استقرارًا واستمرارية، تقوم على التواصل المباشر والتنسيق السياسي وتطوير برامج تعاون عملية تخدم المصالح المشتركة.
خلفية المشهد
تأتي عودة الجزائر إلى الساحة الدبلوماسية في الصومال في وقت تشهد فيه مقديشو جهودًا مكثفة لتعزيز علاقاتها الخارجية، وتوسيع شبكة الشراكات الإقليمية والدولية الداعمة لمسار بناء الدولة وتحقيق الاستقرار.
وتسعى الحكومة الفيدرالية الصومالية إلى الاستفادة من العلاقات الدولية في دعم أولوياتها الوطنية، وفي مقدمتها تعزيز الأمن، وتنمية الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتطوير المؤسسات الحكومية، وهي ملفات تحتاج إلى تعاون واسع مع الشركاء الدوليين.
ويرى مراقبون أن إعادة افتتاح السفارة الجزائرية في مقديشو تحمل أهمية تتجاوز الجانب البروتوكولي، إذ يمكن أن تصبح منصة لتعزيز التعاون العربي والإفريقي في الصومال، ودعم التنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
ويؤكد خبراء أن نجاح المرحلة الجديدة من العلاقات الصومالية الجزائرية سيعتمد على قدرة البلدين على تحويل التقارب السياسي إلى مشاريع وبرامج ملموسة، بما يرسخ شراكة طويلة الأمد تدعم الاستقرار والتنمية وتعزز مكانة الصومال في محيطه الإقليمي والدولي.














