مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في ظل مرحلة اقتصادية دقيقة تتداخل فيها التحديات الداخلية مع التحولات الدولية، أقرت الحكومة الفيدرالية الصومالية بوجود تراجع ملحوظ في حجم التمويل الخارجي الذي كانت تحصل عليه من عدد من الدول والمنظمات الدولية، مؤكدة أن انخفاض المساعدات المالية بات يشكل تحديًا جديدًا أمام خطط الدولة وبرامجها التنموية، ويفرض الحاجة إلى تسريع الإصلاحات المالية وتعزيز الاعتماد على الموارد الوطنية.
وأوضح وزير المالية في الحكومة الفيدرالية، بيحي إيمان عغي، أن الصومال فقدت خلال الفترة الماضية مئات الملايين من الدولارات من الدعم الدولي الذي كان يمثل أحد المصادر الأساسية لتمويل الموازنة العامة، والمساهمة في تنفيذ مشاريع وبرامج حكومية مرتبطة بالخدمات العامة، والتنمية الاقتصادية، وتعزيز قدرات مؤسسات الدولة. وأشار إلى أن هذا التراجع يأتي في وقت تسعى فيه الحكومة إلى توسيع قاعدة الإيرادات المحلية وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.
وأكد الوزير أن عملية خفض التمويل الدولي بدأت منذ عامي 2024 و2025، موضحًا أن هذا التراجع جاء نتيجة مجموعة من العوامل العالمية التي أثرت على أولويات المانحين، من بينها تصاعد النزاعات الدولية، وارتفاع حجم الاحتياجات الإنسانية في مناطق مختلفة من العالم، إضافة إلى تأثيرات الأزمات المناخية والكوارث الطبيعية التي دفعت الدول والمنظمات إلى إعادة توجيه جزء كبير من مواردها المالية نحو ملفات طارئة.
وأضاف أن الحكومة الفيدرالية تدرك حجم الضغوط الناتجة عن انخفاض الدعم الخارجي، وأنها تعمل على إعداد خطط بديلة للتعامل مع المرحلة المقبلة، تشمل تحسين إدارة الموارد العامة، وتعزيز كفاءة النظام المالي، وتطوير مصادر دخل داخلية أكثر استدامة. وأوضح أن استمرار الاعتماد على المساعدات الدولية لا يمكن أن يمثل حلًا طويل الأمد، مشددًا على ضرورة بناء اقتصاد وطني قادر على تمويل أولوياته الأساسية.
وأشار وزير المالية إلى أن حجم التمويل الذي تم تقليصه من قبل الشركاء الدوليين يقدر بما يتراوح بين 450 و600 مليون دولار، محذرًا من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى مزيد من التحديات المالية خلال الفترة المقبلة. ودعا إلى تبني سياسات اقتصادية أكثر مرونة تقوم على توسيع النشاط الاقتصادي، وتحسين تحصيل الإيرادات، وتعزيز الشفافية في إدارة المال العام، بما يساعد الدولة على مواجهة أي نقص محتمل في الموارد.
وأوضح الوزير أن الموازنة السنوية للحكومة الفيدرالية تبلغ نحو 1.3 مليار دولار، وأن الدعم الدولي كان يشكل نسبة كبيرة من هذه الموارد، حيث تعتمد الدولة على التمويل الخارجي في تمويل جزء مهم من التزاماتها وبرامجها المختلفة. وبين أن تراجع هذه المساعدات يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المؤسسات الحكومية على إعادة ترتيب الأولويات، وتسريع مسار بناء اقتصاد أكثر استقلالية وقدرة على الصمود.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الصومال نقاشات سياسية واسعة حول مستقبل المرحلة المقبلة، في ظل استمرار الجدل بشأن العملية الانتخابية، والتعديلات الدستورية، ومستوى التوافق بين الحكومة الفيدرالية والقوى السياسية المعارضة. وبينما ترى بعض الأوساط السياسية أن التطورات الداخلية قد تكون أحد العوامل المؤثرة في طبيعة العلاقة مع بعض الشركاء الدوليين، تؤكد الحكومة أن تراجع التمويل يرتبط أساسًا بالتحولات العالمية وتغير سياسات المانحين.
ويرى مراقبون أن انخفاض الدعم الدولي يشكل تحديًا اقتصاديًا مهمًا، لكنه في الوقت ذاته قد يمثل فرصة لإعادة بناء نموذج اقتصادي أكثر توازنًا، يعتمد على تنمية القطاعات الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز دور القطاع الخاص، بدل استمرار الاعتماد الكبير على المساعدات الخارجية. ويؤكدون أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية وطنية شاملة تجمع بين الحفاظ على الشراكات الدولية وبناء قدرة مالية داخلية أكثر استدامة.
كما يشير محللون إلى أن تعزيز الاستقلال المالي للصومال أصبح ضرورة استراتيجية مرتبطة بمستقبل الدولة واستقرار مؤسساتها، مؤكدين أن قوة الدول لا تقاس فقط بحجم الدعم الذي تحصل عليه، وإنما بقدرتها على إدارة مواردها بكفاءة، وتحقيق التنمية، وبناء مؤسسات مالية قادرة على مواجهة الأزمات والتغيرات المفاجئة.
تجدر الإشارة إلى أن الصومال اعتمدت خلال العقود الماضية بدرجة كبيرة على الدعم الدولي في تمويل برامج إعادة الإعمار، ودعم القطاعات الحيوية، ومساندة جهود إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات طويلة من الصراعات وضعف الموارد المحلية. ومع تطور النظام الفيدرالي واستمرار جهود الإصلاح، برزت الحاجة إلى تعزيز الإدارة المالية، وتوسيع قاعدة الإيرادات الوطنية، وتحقيق تحول تدريجي من اقتصاد يعتمد على المساعدات إلى اقتصاد يمتلك قدرة أكبر على تمويل احتياجاته الوطنية. وفي ظل التحولات العالمية الحالية، يبقى التحدي الأكبر أمام الصومال هو تحقيق توازن بين الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الشركاء الدوليين، وبين بناء اقتصاد وطني أكثر استقلالية واستقرارًا يضمن استمرار مسيرة بناء الدولة وتحقيق تطلعات الشعب الصومالي.














