مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في عالم تتداخل فيه التهديدات الأمنية وتتجاوز الحدود الوطنية، لم تعد الدول تنظر إلى أمنها باعتباره شأنًا داخليًا خالصًا، بل باتت تراقب ما يجري في محيطها وتسعى إلى احتواء مصادر الخطر قبل أن تصل إلى أراضيها. وفي هذا السياق، تكتسب الخطوات السويدية لتعزيز دعمها الدفاعي لفنلندا أهمية تتجاوز العلاقة الثنائية بين البلدين، لأنها تعكس تصورًا استراتيجيًا يرى أن حماية أمن الدول المجاورة قد تكون جزءًا من حماية الأمن الوطني ذاته.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة عند النظر إليها من زاوية الصومال، التي تواجه تهديدات أمنية ذات امتدادات إقليمية، وفي مقدمتها حركة الشباب. وبينما تختلف الظروف السياسية والعسكرية والجغرافية بين شمال أوروبا والقرن الإفريقي، فإن المبدأ الأوسع المتعلق بإبعاد مصادر الخطر واحتوائها قبل تحولها إلى تهديد مباشر يوفر مدخلًا مهمًا لقراءة واقع الأمن الصومالي وشبكة الشراكات الإقليمية والدولية المرتبطة به.
الدفاع المتقدم.. مواجهة الخطر قبل وصوله
يقوم مفهوم الدفاع المتقدم على محاولة مواجهة التهديد في أقرب نقطة ممكنة إلى مصدره، بدل انتظار وصوله إلى الحدود الوطنية ثم التعامل معه بعد أن يصبح أكثر تعقيدًا. وتستند هذه المقاربة إلى أن احتواء الخطر في مراحله المبكرة قد يكون أقل تكلفة وأكثر فاعلية من خوض مواجهة مباشرة بعد انتقاله إلى الأراضي التي تسعى الدولة إلى حمايتها.
وفي الحالة السويدية الفنلندية، تفرض الجغرافيا والترابط الأمني بين البلدين نفسها على الحسابات الاستراتيجية. فأي تدهور كبير في البيئة الأمنية المحيطة بفنلندا يمكن أن تكون له تداعيات على الأمن الإقليمي في شمال أوروبا، بما في ذلك السويد. ولذلك فإن تعزيز القدرات الدفاعية لفنلندا يمكن أن يُفهم بوصفه دعمًا لحليف وجار، وفي الوقت نفسه إجراءً وقائيًا يخدم الأمن السويدي الأوسع.
ولا يعني ذلك أن النموذج الأوروبي قابل للنقل حرفيًا إلى الصومال، فالتهديدات والقدرات والمؤسسات تختلف جذريًا، لكن الفكرة الأساسية تظل قابلة للدراسة: الأمن الوطني قد يبدأ أحيانًا من البيئة الأمنية المحيطة بالدولة، وليس من حدودها وحدها.
الصومال.. أمن يتجاوز الحدود
تواجه الصومال تهديدًا أمنيًا لا يتوقف عند حدودها الجغرافية، إذ تمثل حركة الشباب تحديًا يمتد تأثيره إلى المناطق الحدودية ودول الجوار. ولهذا فإن مواجهة الحركة تتطلب، إلى جانب العمليات العسكرية، منظومة أوسع تشمل مراقبة الحدود، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وملاحقة شبكات التمويل، وتعطيل حركة الأسلحة والعناصر المسلحة.
وفي هذا السياق، شاركت قوات من دول إفريقية مختلفة في العمليات الأمنية داخل الصومال، إلى جانب القوات الصومالية. ومن منظور استراتيجي، لا يمكن تفسير وجود القوات الأجنبية باعتباره مرتبطًا بهدف واحد فقط؛ فالدول التي تنشر قوات خارج حدودها تجمع عادة بين مساعدة الدولة المضيفة وحماية مصالحها الأمنية الخاصة.
وبالنسبة إلى دول الجوار، فإن احتواء تهديد حركة الشباب داخل الصومال يمكن أن يمثل هدفًا أمنيًا مباشرًا، خصوصًا بالنسبة إلى الدول التي عانت من هجمات أو تهديدات مرتبطة بالحركة. ومن هنا تتقاطع المصالح الإقليمية مع المصلحة الوطنية الصومالية في مواجهة الجماعة، حتى وإن اختلفت دوافع كل طرف وأولوياته.
مصالح مشتركة وأولويات مختلفة
رغم وجود مصلحة مشتركة في الحد من تهديد حركة الشباب، فإن تعريف النجاح الأمني قد يختلف بين الصومال وبعض شركائها الإقليميين. فالصومال تسعى في نهاية المطاف إلى استعادة السيطرة الكاملة على أراضيها وتعزيز مؤسساتها الأمنية وبناء قدرة وطنية مستدامة، بينما قد يكون الهدف الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى دولة مجاورة هو منع الهجمات على أراضيها وإبعاد الخطر عن حدودها.
ولا يعني اختلاف الأولويات وجود تعارض حتمي بين المصالح، لكنه يجعل تحديد الأهداف الوطنية أمرًا ضروريًا عند بناء الشراكات الأمنية. فالتعاون الخارجي يصبح أكثر فاعلية عندما يخدم مشروعًا وطنيًا واضحًا، ويساعد على نقل الخبرات وبناء القدرات، بدل أن يتحول إلى بديل دائم عن مسؤولية الدولة في حماية أراضيها.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل اتساع الحدود البرية والبحرية للصومال، وصعوبة مراقبة بعض المناطق، وقدرة الجماعات المسلحة على تغيير أساليبها والانتقال بين البيئات المختلفة. ولذلك فإن تحقيق مكاسب ميدانية ضد حركة الشباب لا يضمن وحده إنهاء التهديد، ما لم يترافق مع إجراءات تمنع إعادة تنظيم الحركة وعودة نشاطها.
الدعم الدولي وبناء الأمن الصومالي
لا يمكن تفسير الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة والدول الأوروبية للصومال من زاوية مكافحة حركة الشباب فقط، إذ يرتبط استقرار البلاد كذلك بأمن القرن الإفريقي، وسلامة طرق التجارة والملاحة، ومكافحة الإرهاب، والحد من قدرة الجماعات المسلحة على استغلال حالة عدم الاستقرار، فضلًا عن المصالح الجيوسياسية المتزايدة في المنطقة.
ومن ثم، فإن استمرار الدعم الدولي للجهود الأمنية الصومالية، بما في ذلك الدعم المرتبط بالبعثة الإفريقية أوصوم، يعكس في جانب منه تقاطعًا بين المصالح الوطنية الصومالية ومصالح الشركاء الدوليين. غير أن هذا التقاطع لا يعني بالضرورة تطابق الأولويات، وهو ما يجعل من الضروري أن تستفيد الصومال من الشراكات الخارجية في بناء مؤسسات وقوات وطنية قادرة على تحمل مسؤولية الأمن بصورة متزايدة.
وتتمثل إحدى أهم أولويات هذا المسار في ربط العمليات العسكرية بمرحلة ما بعد استعادة المناطق، من خلال تثبيت مؤسسات الدولة، وتوفير الخدمات الأساسية، وتعزيز الإدارة المحلية، وضمان عدم ترك فراغات أمنية وإدارية يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة مجددًا.
من الشراكة الخارجية إلى القدرة الوطنية
تقدم تجربة السويد وفنلندا درسًا مهمًا في مفهوم الأمن المترابط، لكنها تطرح بالنسبة إلى الصومال سؤالًا أكثر أهمية: كيف يمكن تحويل الشراكات الأمنية الخارجية إلى قدرة وطنية مستدامة؟
فالاستفادة من الدعم الدولي والإقليمي لا ينبغي أن تقتصر على الحصول على المساعدات أو المشاركة في العمليات العسكرية، وإنما يجب أن تشمل تطوير المؤسسات الأمنية والاستخباراتية، وتحسين التدريب، وتعزيز قدرات حماية الحدود، وتطوير آليات تبادل المعلومات، وبناء منظومة قادرة على الاستمرار حتى مع تغير أولويات الشركاء الخارجيين.
وفي هذا الإطار، فإن مواجهة حركة الشباب تحتاج إلى استراتيجية تتجاوز السيطرة العسكرية المؤقتة على المدن والبلدات، لتشمل منع عودة التهديد وتجفيف مصادر تمويله، وتعزيز قدرة الدولة على فرض القانون وتوفير الخدمات، وإقامة تعاون أمني فعال مع دول الجوار. فكلما ازدادت قدرة الدولة على سد الثغرات الأمنية والإدارية، أصبحت المكاسب العسكرية أكثر قابلية للتحول إلى استقرار طويل الأمد.
تكشف المقارنة بين السويد وفنلندا والحالة الصومالية، رغم الفوارق الكبيرة بين السياقين، عن تحول أوسع في مفهوم الأمن، حيث أصبحت حماية الدولة مرتبطة بدرجة متزايدة بأمن محيطها الإقليمي وقدرتها على التعامل مع مصادر التهديد قبل وصولها إلى حدودها. وبالنسبة إلى الصومال، فإن مواجهة حركة الشباب لا يمكن أن تعتمد على العمليات العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين الأمن والاستخبارات وحماية الحدود والدبلوماسية والتعاون الإقليمي وبناء المؤسسات. ويبقى التحدي الحقيقي هو ضمان أن تؤدي الشراكات الدولية والإقليمية إلى تعزيز قدرة الصومال على حماية نفسها، بحيث يتحول الدعم الخارجي تدريجيًا من ضرورة أمنية إلى شراكة تدعم دولة أكثر قدرة على إدارة أمنها وصون سيادتها وتحقيق استقرار مستدام.














