نيروبي – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في ظل استمرار التحديات الأمنية التي تواجه المناطق الحدودية بين كينيا والصومال، تصاعدت الدعوات داخل الأوساط السياسية والمحلية الكينية لإعادة تقييم الاستراتيجية الأمنية المعتمدة، وذلك عقب تجدد الهجمات المنسوبة إلى حركة الشباب، وما خلفته من مخاوف متزايدة لدى السكان والسلطات المحلية بشأن قدرة الإجراءات الحالية على توفير حماية مستدامة للمناطق الحدودية.
وتأتي هذه الدعوات في وقت تشهد فيه المناطق الواقعة على الحدود بين البلدين ضغوطًا أمنية متواصلة، حيث تتداخل العوامل الأمنية مع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذي دفع مسؤولين محليين إلى المطالبة بمراجعة شاملة للسياسات المتبعة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الحكومية المختلفة.
وطالب عضو مجلس مقاطعة أبكايل في ولاية غاريسا الكينية، هاجر محمد داهيي، البرلمان الكيني بإجراء تحقيق شامل ومراجعة واسعة للوضع الأمني على طول الحدود مع الصومال، مؤكدًا أن استمرار التهديدات الأمنية يستدعي تقييمًا جادًا للسياسات الحالية ومدى قدرتها على حماية المواطنين وتعزيز الاستقرار في المناطق المتأثرة.
وقدم داهيي التماسًا رسميًا إلى رئيسي مجلسي النواب والشيوخ الكينيين، دعا فيه إلى تكليف اللجنة البرلمانية المختصة بالدفاع والاستخبارات والعلاقات الخارجية بإجراء تحقيق عاجل حول الوضع الأمني في المناطق الحدودية، خاصة مقاطعة غاريسا ودائرة داداب والمناطق المجاورة لولاية جوبالاند الصومالية.
وأكد داهيي أن المجتمعات الحدودية الكينية ما زالت تواجه تهديدات أمنية متكررة رغم سنوات من العمليات العسكرية والجهود الدبلوماسية التي انخرطت فيها كينيا في الملف الصومالي، مشددًا على ضرورة الانتقال نحو مقاربة أكثر شمولًا تجمع بين الأمن والتنمية وإدارة الحدود.
هجوم أبكايل يعيد ملف الحدود إلى الواجهة
وجاء التحرك البرلماني بعد أيام من هجوم مسلح استهدف مركز أبكايل التجاري في دائرة داداب التابعة لمقاطعة غاريسا، في حادثة أعادت تسليط الضوء على استمرار التحديات الأمنية التي تواجه المناطق القريبة من الحدود الصومالية.
ووفقًا للتقارير، فقد هاجم نحو 15 مسلحًا يُشتبه بانتمائهم إلى حركة الشباب مركز أبكايل التجاري، حيث ألقى المهاجمون قنبلة يدوية على البوابة الرئيسية للمركز، قبل أن يطلقوا النار على مولد الكهرباء، ما تسبب في تعطيل خدمات الاتصال وإرباك النشاط اليومي في المنطقة.
وسارعت القوات الأمنية من داداب وساريثو إلى موقع الحادث، حيث تمكنت من إجبار المهاجمين على الانسحاب باتجاه منطقة فافي، فيما لم تسجل السلطات وقوع إصابات أو وفيات خلال الهجوم.
وأعاد الحادث النقاش حول الحاجة إلى تعزيز الإجراءات الأمنية في المناطق الحدودية، وتطوير آليات الاستجابة السريعة، بما يضمن حماية السكان والمنشآت الحيوية من أي تهديدات محتملة، إلى جانب تحسين قدرة الأجهزة الأمنية على التعامل مع التحركات المفاجئة للجماعات المسلحة.
دعوات لتقييم الاستراتيجية الأمنية
وطالب داهيي البرلمان الكيني بإجراء مراجعة شاملة للنهج الأمني والعسكري والدبلوماسي الذي اعتمدته البلاد خلال السنوات الماضية، بهدف تقييم مدى نجاحه في الحد من الهجمات وتحقيق أمن مستدام للمجتمعات الحدودية.
وأشار إلى أن كينيا استثمرت موارد كبيرة في العمليات الأمنية منذ إطلاق عملية “ليندا نيتشي” عام 2011، إضافة إلى انخراطها السياسي والدبلوماسي في الملف الصومالي، إلا أن استمرار التحديات الأمنية يؤكد الحاجة إلى مراجعة الأدوات المستخدمة وتطوير استجابة أكثر فاعلية.
كما دعا إلى تقييم الدور الكيني في ولاية جوبالاند منذ عام 2012، ومعرفة مدى مساهمة التعاون الأمني والسياسي هناك في تحقيق نتائج ملموسة على مستوى أمن المناطق الحدودية وحماية السكان.
وشدد على أهمية أن تستند أي مراجعة مستقبلية إلى تقييم واقعي للأوضاع الميدانية، بما يساعد على بناء سياسات أمنية أكثر قدرة على التعامل مع طبيعة التهديدات المتغيرة، وضمان توجيه الموارد المتاحة نحو الأولويات الأمنية الأكثر إلحاحًا.
مراقبة نشاط حركة الشباب
ويتضمن الالتماس دعوة إلى قيام وزارات الدفاع والداخلية والخارجية الكينية بتقديم تقييم رسمي حول الوضع الأمني الراهن، بما في ذلك طبيعة ومستوى نشاط حركة الشباب في ولاية جوبالاند والمناطق القريبة من الحدود.
وأكد داهيي أن فهم طبيعة تحركات الجماعات المسلحة وقدراتها التشغيلية يمثل عنصرًا أساسيًا في تطوير الاستجابة الأمنية، خصوصًا في ظل اعتماد هذه الجماعات على أساليب متغيرة لتنفيذ الهجمات واستهداف المناطق المدنية.
كما دعا إلى تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وتطوير أنظمة تبادل المعلومات والإنذار المبكر، بما يساعد على منع الهجمات قبل وقوعها ورفع مستوى جاهزية القوات الأمنية.
وأشار إلى أن حماية المناطق الحدودية تتطلب تعاونًا وثيقًا بين المؤسسات الحكومية والمجتمعات المحلية، باعتبار السكان عنصرًا مهمًا في رصد التهديدات وتعزيز الاستقرار.
تداعيات أمنية واقتصادية على السكان
وأوضح داهيي أن استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني لم يقتصر تأثيره على الجانب العسكري فقط، بل امتد ليشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، حيث أثرت الهجمات المتكررة على حياة السكان والأنشطة التجارية في المناطق الحدودية.
وأشار إلى أن الخسائر الناتجة عن استمرار التهديدات الأمنية تشمل تعطيل التجارة، وتراجع فرص الاستثمار، وإضعاف سبل العيش بالنسبة للسكان الذين يعتمدون على الحركة الاقتصادية المرتبطة بالمناطق الحدودية.
وطالب البرلمان بدراسة الأبعاد الإنسانية والاقتصادية لهذه التحديات، ووضع حلول طويلة الأمد لا تركز فقط على الجانب الأمني، بل تشمل أيضًا دعم التنمية المحلية وتحسين الظروف المعيشية للسكان وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود.
إغلاق معبر ليبوي–حرحر
كما أثار الالتماس قضية استمرار إغلاق معبر ليبوي–حرحر الحدودي، معتبرًا أن ذلك تسبب في تقييد حركة التجارة المشروعة وتقليص الفرص الاقتصادية أمام آلاف السكان في المناطق الحدودية.
ودعا داهيي إلى دراسة إمكانية إعادة فتح المعبر ضمن نظام متكامل لإدارة الحدود، يضمن تحقيق التوازن بين تسهيل الحركة التجارية وتعزيز الإجراءات الأمنية.
وأوضح أن أي ترتيبات لإعادة فتح المعبر يجب أن تشمل أنظمة فعالة للهجرة والجمارك والفحص الأمني والاستخباراتي، بما يضمن الحد من المخاطر الأمنية مع دعم النشاط الاقتصادي المشروع.
وأكد أن إدارة الحدود بطريقة متوازنة يمكن أن تسهم في تعزيز الاستقرار، وتحسين العلاقات الاقتصادية بين المجتمعات الواقعة على جانبي الحدود، وخلق بيئة أكثر ملاءمة للتجارة والتنمية.
استراتيجية وطنية تجمع الأمن والتنمية
وطالب عضو مجلس مقاطعة أبكايل بتبني استراتيجية حكومية شاملة تجمع بين الدفاع والاستخبارات والدبلوماسية وإدارة الحدود والتنمية الاقتصادية، إلى جانب إشراك المجتمعات المحلية في جهود تعزيز الأمن.
وأوضح أن مواجهة التهديدات الأمنية لا يمكن أن تعتمد على الحلول العسكرية وحدها، مشيرًا إلى أن معالجة الأسباب المرتبطة بعدم الاستقرار تتطلب تحسين الخدمات ودعم التنمية وتعزيز الثقة بين السكان والمؤسسات الحكومية.
وفي الوقت ذاته، أشاد بالتضحيات التي قدمتها قوات الدفاع الكينية والشرطة الوطنية والأجهزة الأمنية الأخرى، لكنه أكد ضرورة إجراء تقييم مستمر للسياسات المعتمدة لضمان قدرتها على مواكبة التحديات الأمنية المتغيرة.
خلفية المشهد
تُعد الحدود بين كينيا والصومال من أكثر المناطق حساسية في منطقة القرن الأفريقي، نظرًا لطبيعتها الجغرافية وتشابك الروابط الاجتماعية والاقتصادية بين المجتمعات الواقعة على جانبي الحدود، إلى جانب التحديات الأمنية المرتبطة بنشاط الجماعات المسلحة.
ومنذ إطلاق عملية “ليندا نيتشي” عام 2011، تبنت كينيا مقاربة أمنية تقوم على العمليات العسكرية والتعاون الإقليمي والدبلوماسي بهدف الحد من التهديدات القادمة من المناطق الحدودية.
ورغم الجهود الأمنية المستمرة، فإن استمرار وقوع هجمات متفرقة أعاد الجدل داخل كينيا حول ضرورة تطوير الاستراتيجيات الحالية، والانتقال نحو نهج أكثر شمولًا يربط بين الأمن والتنمية وإدارة الحدود.
ويعكس تحرك هاجر محمد داهيي أمام البرلمان الكيني تصاعد المطالب بإعادة تقييم السياسة الأمنية تجاه الحدود مع الصومال، بما يضمن حماية السكان وتعزيز الاستقرار ودعم التنمية في المناطق الحدودية.














