بوصاصو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في خطوة أمنية تحمل أبعادًا سياسية واسعة، أعلنت سلطات بونتلاند إحكام سيطرتها الكاملة على مقر قوات الأمن في بونتلاند بمدينة بوصاصو، بعد يوم واحد من عملية عسكرية نفذتها قوات الولاية في مدينة غالكعيو، في تطور يعكس دخول ملف إحدى أبرز القوى الأمنية في شمال شرق الصومال مرحلة جديدة من الحسم بعد سنوات طويلة من الخلافات حول وضعها القانوني وموقعها داخل مؤسسات الأمن المحلية.
ويأتي الإعلان في وقت تشهد فيه بونتلاند تصعيدًا أمنيًا وسياسيًا مرتبطًا بمستقبل قوات الأمن في بونتلاند، وهي القوة التي لعبت خلال أكثر من عقدين دورًا بارزًا في عمليات مكافحة الإرهاب، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى محور خلاف بين قيادتها السابقة وإدارة الولاية بشأن طبيعة تبعيتها وآليات دمجها ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية.
وقالت قيادة قوات دفاع بونتلاند في بيان رسمي إن مقر قوات الأمن في بونتلاند بمدينة بوصاصو، بما يشمله من منشآت قيادية ومرافق تشغيلية، أصبح تحت السيطرة الكاملة لحكومة الولاية، مؤكدة أن قواتها قامت بتأمين الموقع وفرض ترتيبات أمنية جديدة لضمان استمرار الهدوء ومنع أي محاولات لإعادة التوتر.
وأضاف البيان أن العملية تأتي ضمن سلسلة إجراءات أمنية قالت سلطات بونتلاند إنها تستهدف مجموعات مسلحة لا تخضع للهيكل الرسمي لقوات الولاية، مشيرة إلى أن العناصر الموجودة في تلك المواقع كانت تعمل تحت مسمى قوات الأمن السابقة، وليست ضمن المؤسسات الأمنية المعترف بها من قبل حكومة بونتلاند.
وأكدت السلطات المحلية أن هدفها يتمثل في إعادة تنظيم المشهد الأمني الداخلي، وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة، وتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية، في ظل تحديات أمنية مستمرة تواجه المنطقة.
بوصاصو بعد غالكعيو.. توسيع نطاق السيطرة الأمنية
وجاءت السيطرة على مقر قوات الأمن في بوصاصو بعد أقل من 24 ساعة على عملية أمنية شهدتها مدينة غالكعيو، حيث أعلنت قوات بونتلاند السيطرة على المقر الرئيسي للقوة هناك عقب مواجهات استمرت عدة ساعات.
وذكرت قيادة قوات دفاع بونتلاند أن العملية في غالكعيو جاءت ضمن تحرك أمني أوسع يستهدف، وفق روايتها، تشكيلات مسلحة لا تتبع القيادة الرسمية للولاية، مؤكدة أن الإجراءات تهدف إلى حماية أمن بونتلاند والحفاظ على النظام العام.
وأوضحت السلطات أن قواتها تمكنت من فرض سيطرتها على المواقع المستهدفة، وأن وحدات أمنية باشرت بعد ذلك عمليات تأمين المنشآت ومراقبة الأوضاع لمنع أي تصعيد جديد.
وتحظى مدينة غالكعيو بأهمية أمنية خاصة بسبب موقعها الجغرافي وحساسيتها السياسية، بينما تمثل بوصاصو مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا رئيسيًا في بونتلاند، ما يجعل السيطرة على مقرات أمنية فيهما تطورًا ذا دلالات كبيرة على مستوى المشهد الداخلي.
ويشير انتقال العمليات من غالكعيو إلى بوصاصو إلى أن الخلاف حول مستقبل قوات الأمن في بونتلاند لم يعد مقتصرًا على الجانب السياسي، بل انتقل إلى مرحلة إعادة ترتيب ميدانية لمواقع النفوذ الأمني داخل الولاية.
قوات الأمن في بونتلاند.. من قوة مكافحة الإرهاب إلى ملف سياسي
تعد قوات الأمن في بونتلاند واحدة من أبرز التجارب الأمنية المحلية في الصومال، حيث تأسست في بداية الألفية بهدف إنشاء قوة متخصصة قادرة على مواجهة التهديدات الإرهابية وتعزيز قدرات جمع المعلومات والعمليات الأمنية.
وخلال سنوات عملها، لعبت القوة دورًا رئيسيًا في العمليات ضد حركة الشباب وتنظيم الدولة الإسلامية في المناطق الجبلية التابعة لبونتلاند، خصوصًا في مناطق علمدو وعلمسكاد، حيث شاركت في مواجهات استهدفت الجماعات المسلحة المنتشرة في تلك المناطق.
وقد أكسبها ذلك دورًا مهمًا داخل المنظومة الأمنية المحلية، باعتبارها إحدى الوحدات الأكثر خبرة في مجال مكافحة الإرهاب، إلا أن موقعها المؤسسي بدأ يثير خلافات متزايدة مع تغير الظروف السياسية داخل الولاية.
ومنذ وصول زعيم بونتلاند سعيد عبد الله دني إلى قيادة الولاية عام 2019، تصاعد الجدل حول مستقبل القوة، وطبيعة العلاقة بينها وبين الحكومة المحلية، والجهة التي تمتلك صلاحية الإشراف المباشر عليها.
ومع استمرار الخلافات، تحول ملف قوات الأمن في بونتلاند من قضية مرتبطة بالترتيبات الأمنية فقط إلى ملف سياسي يعكس التباينات حول إدارة المؤسسات العسكرية والأمنية في النظام الفيدرالي الصومالي.
أزمة بوصاصو.. محطة مفصلية في مسار الخلاف
وصلت الأزمة بين حكومة بونتلاند وقوات الأمن إلى أخطر مراحلها عام 2021، عندما شهدت مدينة بوصاصو مواجهات مسلحة بين قوات موالية لحكومة الولاية وعناصر مرتبطة بقوات الأمن في بونتلاند.
وتسببت المواجهات آنذاك في سقوط ضحايا وحدوث اضطرابات أمنية داخل المدينة، ما أثار مخاوف بشأن تأثير الخلاف على الاستقرار المحلي وعلى النشاط الاقتصادي في واحدة من أهم مدن الولاية.
وبعد تلك الأحداث، جرت مساعٍ سياسية للتوصل إلى تفاهمات تنهي الأزمة، وأسفرت عن اتفاقات هدفت إلى معالجة الخلافات المتعلقة بوضع القوة وآليات عملها، إلا أن تنفيذ عدد من البنود الأساسية لم يكتمل.
ومنذ ذلك الحين، بقي ملف قوات الأمن في بونتلاند عالقًا بين المسار السياسي والمسار الأمني، إلى أن جاءت التطورات الأخيرة التي أعادت رسم ملامح المرحلة المقبلة.
دعوات لإعادة ضبط الملف الأمني
وبالتزامن مع إعلان السيطرة على المقرات، دعت قيادة قوات دفاع بونتلاند جميع الأفراد والقوات المسلحة الموجودة داخل مناطق الولاية إلى تسليم أسلحتهم والانضمام إلى المؤسسات الرسمية.
وأكدت القيادة أن الهدف من هذه الدعوات هو إنهاء وجود أي تشكيلات أمنية خارج الإطار الرسمي، وإتاحة فرصة أمام العناصر الراغبة في تسوية أوضاعها وفق القوانين والأنظمة المعمول بها.
كما وجهت سلطات بونتلاند تحذيرًا إلى أي جهات تقدم الدعم أو المأوى لعناصر مسلحة ترفض الخضوع للسلطات المحلية، مؤكدة أن مثل هذه التصرفات ستواجه إجراءات قانونية.
وتقول حكومة الولاية إن بناء منظومة أمنية موحدة تحت قيادة مؤسساتها يمثل خطوة ضرورية لمواجهة التحديات الأمنية وحماية الاستقرار الداخلي.
ملف أمني يتقاطع مع الخلاف الفيدرالي
وتأتي هذه التطورات في ظل توتر سياسي قائم بين إدارة بونتلاند والحكومة الفيدرالية الصومالية، حيث أصدر زعيم بونتلاند سعيد عبد الله دني أوامر إلى الضباط والجنود المرتبطين بالحكومة الفيدرالية والمتمركزين داخل الولاية بتسليم أسلحتهم وإخلاء القواعد التابعة لهم.
ولم تصدر حتى الآن مواقف رسمية من الحكومة الفيدرالية الصومالية أو قيادة قوات الأمن في بونتلاند بشأن إعلان سلطات الولاية السيطرة على مقر القوة في بوصاصو.
ويرتبط هذا التطور بسياق أوسع من الخلافات بين مقديشو وغرووي حول الصلاحيات الدستورية، وطبيعة إدارة الملفات السيادية، وفي مقدمتها الأمن والقوات المسلحة.
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا لقدرة الأطراف المختلفة على احتواء الأزمة، ومنع تحول الخلافات المؤسسية إلى مواجهات تؤثر على استقرار المنطقة.
خلفية المشهد
يمثل ملف قوات الأمن في بونتلاند جزءًا من التحديات الكبرى التي واجهت بناء المؤسسات الأمنية في الصومال خلال مرحلة ما بعد انهيار الدولة المركزية، حيث ظهرت العديد من القوات المحلية استجابة للحاجة إلى مواجهة الفراغ الأمني وتهديدات الجماعات المسلحة.
وقد شكلت قوات الأمن في بونتلاند نموذجًا لقوة أمنية متخصصة استطاعت خلال سنوات طويلة بناء خبرة ميدانية في مكافحة الإرهاب، خصوصًا في المناطق الجبلية التي كانت تمثل بيئة صعبة للعمليات الأمنية.
غير أن تجربة القوة كشفت في الوقت ذاته عن التحديات المرتبطة بتداخل الأدوار بين المؤسسات المحلية والهياكل الفيدرالية، خاصة في ظل غياب اتفاق نهائي حول توزيع الصلاحيات الأمنية بين الحكومة المركزية والولايات الأعضاء.
ومنذ عام 2019، أصبح مستقبل القوة مرتبطًا بشكل مباشر بالتوازنات السياسية داخل بونتلاند، حيث تصاعدت الخلافات حول قيادتها ووضعها القانوني، قبل أن تصل الأزمة إلى مواجهات مسلحة في بوصاصو عام 2021.
وتعكس التطورات الأخيرة في غالكعيو وبوصاصو مرحلة جديدة في هذا المسار، إذ تسعى حكومة بونتلاند إلى تثبيت سيطرتها على الملف الأمني وإعادة هيكلة القوات الموجودة داخل الولاية.
وفي المقابل، يبقى مستقبل أفراد قوات الأمن السابقة وطبيعة ترتيبات دمجهم أو تسوية أوضاعهم من أبرز التحديات التي ستواجه السلطات خلال المرحلة المقبلة.
كما أن كيفية إدارة هذا الملف ستكون لها انعكاسات تتجاوز حدود بونتلاند، نظرًا لارتباطه بالنقاش الوطني الأوسع حول بناء مؤسسات أمنية موحدة، وتحديد طبيعة العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والإدارات الإقليمية في الصومال.














