مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في خطوة تعكس استمرار الحضور الثقافي والديني للصومال في الساحة الدولية، ودّعت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حافظين شابين سيمثلان البلاد في المسابقة الدولية للقرآن الكريم التي تستضيفها المملكة العربية السعودية، في مشاركة وطنية تحمل دلالات تتجاوز حدود المنافسة، لتجسد مكانة القرآن الكريم في وجدان المجتمع الصومالي، وتعكس جهود المؤسسات الوطنية في رعاية المواهب الشابة وتعزيز حضور البلاد في المحافل الإسلامية العالمية. وتأتي هذه المشاركة في وقت تسعى فيه الصومال إلى إبراز قوتها الناعمة من خلال مجالات التعليم والثقافة والقيم المجتمعية، إلى جانب مسارات البناء والتنمية وتعزيز صورة الدولة على المستوى الدولي.
وجرت مراسم توديع الحافظين في العاصمة مقديشو بحضور المدير العام لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية الدكتور عبد النافع أحمد عبد الله، ومدير إدارة شؤون القرآن الكريم في الوزارة، إلى جانب أفراد أسرتي المتسابقين، حيث أوضحت الوزارة أن اختيار ممثلي الصومال جاء بعد منافسة وطنية استندت إلى معايير دقيقة في الحفظ والتلاوة والتجويد خلال المسابقة القرآنية التي نظمتها الوزارة في شهر رمضان المبارك. ويمثل الصومال في هذا الاستحقاق كل من محمد نور محمد إبراهيم، الذي يشارك في فئة حفظ القرآن الكريم كاملًا، ومنة عبد الرحمن محمد صبري، التي تشارك في فئة حفظ خمسة عشر جزءًا، في حضور يعكس تنوع المواهب القرآنية واتساع دائرة الاهتمام بتعليم كتاب الله بين الشباب والفتيات.
وأكدت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن تمثيل الصومال في المسابقة الدولية للقرآن الكريم يمثل مسؤولية وطنية ورسالة حضارية، مشيرة إلى أن الحافظ لا يحمل فقط مهارة الحفظ والتلاوة، بل يحمل أيضًا صورة بلاده وقيمها وثقافتها الدينية الراسخة. ودعا المدير العام للوزارة الحافظين إلى تقديم نموذج مشرف عن الشباب الصومالي، يجمع بين التميز العلمي والتحلي بالأخلاق القرآنية، مؤكدًا أن النجاح الحقيقي لا يقتصر على تحقيق المراكز المتقدمة، وإنما يرتبط بقدرة الإنسان على ترجمة القيم التي يحملها القرآن إلى سلوك عملي في حياته اليومية.
وتعكس هذه المشاركة استمرار قوة التعليم القرآني في الصومال، حيث ظلت المدارس القرآنية وحلقات التحفيظ عبر عقود طويلة مؤسسات رئيسية في بناء المعرفة وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية داخل المجتمع. ورغم الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد خلال العقود الماضية، حافظ هذا القطاع على استمراريته، وتمكن من تخريج أجيال متتالية من الحفظة والقراء الذين أصبح بعضهم يمثل الصومال في مسابقات إقليمية ودولية. كما أن مشاركة الحافظة منة عبد الرحمن محمد صبرية تبرز تنامي حضور الفتيات في مجال التعليم القرآني، وتؤكد اتساع فرص المشاركة أمام المواهب النسائية في هذا المجال الحيوي.
وتعمل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على تعزيز هذا المسار من خلال تطوير المسابقات القرآنية الوطنية، وتحسين آليات اكتشاف المواهب، ودعم البرامج التي تهدف إلى تأهيل الحفظة والقراء للمنافسة على المستويات الخارجية. ويرى مهتمون بالشأن التعليمي والديني أن تطوير التعليم القرآني يمثل استثمارًا طويل الأمد في بناء الإنسان الصومالي، لما يرسخه من قيم الانضباط والمسؤولية والاعتدال، إلى جانب دوره في حماية الإرث الثقافي والديني للبلاد. كما أن تعزيز الشراكة بين المؤسسات الحكومية والتعليمية والمجتمعية يمكن أن يسهم في بناء منظومة أكثر قدرة على رعاية المواهب وتحويل الإنجازات الفردية إلى نجاحات وطنية مستدامة.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الحفاظ الصوماليون تسجيل حضورهم في المحافل القرآنية الدولية، تبرز الحاجة إلى مواصلة دعم البنية الأساسية للتعليم القرآني، بما يشمل تحسين أوضاع المدارس، ورفع كفاءة المعلمين، وتوفير بيئة تعليمية مناسبة في مختلف مناطق البلاد. فالمحافظة على هذا الإرث لا تعتمد فقط على المشاركات الخارجية، وإنما ترتبط بقدرة المؤسسات الوطنية على بناء منظومة تعليمية متكاملة تبدأ من القاعدة وتصل إلى مستويات التميز العالمي. ومن شأن الاستثمار المستمر في هذا القطاع أن يعزز مكانة الصومال الثقافية، ويدعم جهود بناء مجتمع أكثر تماسكًا قائمًا على العلم والقيم والهوية الوطنية.
يمثل القرآن الكريم وتعليمه أحد أعمق ركائز الهوية الدينية والثقافية في الصومال، حيث لعبت الكتاتيب وحلقات التحفيظ تاريخيًا دورًا محوريًا في نشر المعرفة وتربية الأجيال وتخريج العلماء والقراء والحفاظ. واستطاعت هذه المؤسسات الحفاظ على حضورها رغم التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية التي شهدتها البلاد، لتبقى أحد أهم مصادر القوة المجتمعية والثقافية. وتأتي مشاركة الحافظين محمد نور محمد إبراهيم ومنة عبد الرحمن محمد صبري في المسابقة العالمية للقرآن الكريم امتدادًا لهذا التاريخ الطويل، ورسالة تؤكد أن الصومال يمتلك طاقات بشرية قادرة على المنافسة والتميز عندما تتوفر لها الرعاية والتأهيل. كما تعكس هذه المشاركة أهمية النظر إلى التعليم القرآني باعتباره أحد روافد القوة الناعمة للدولة، التي تسهم في تقديم صورة إيجابية عن الصومال وتعزيز حضوره في العالم الإسلامي والدولي، بما يدعم رؤية وطنية تقوم على بناء الإنسان وصون الهوية والاستثمار في الأجيال القادمة.














