طوسمريب – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في خطوة انتخابية تعكس التحولات المتواصلة في مسار الحياة السياسية والمؤسسية بالصومال، أعلنت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود نتائج انتخابات مجالس المناطق ومجلس ممثلي ولاية غلمدغ، عقب استكمال عملية الاقتراع التي شهدتها عدد من مناطق الولاية، وسط متابعة واسعة من مختلف الأوساط السياسية والشعبية، نظرًا لما تحمله النتائج من دلالات تتعلق بمستقبل الإدارة المحلية وتعزيز دور الأحزاب في المرحلة المقبلة.
وجاء إعلان النتائج من مدينة طوسمريب، عاصمة ولاية غلمدغ، حيث كشف رئيس اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود عبد الكريم أحمد حسن تفاصيل العملية الانتخابية، مؤكدًا أن التصويت جرى في 11 مديرية من المديريات التابعة للولاية، بمشاركة واسعة من التنظيمات السياسية المتنافسة على مقاعد المجالس المحلية ومجلس ممثلي غلمدغ.
وأوضح رئيس اللجنة أن الانتخابات شهدت مشاركة 16 تنظيمًا سياسيًا، فيما بلغ عدد المواطنين الذين أدلوا بأصواتهم 197,971 ناخبًا، بينما بلغ عدد الأصوات الصحيحة المعتمدة بعد عمليات الفرز والمراجعة 191,504 أصوات، في حين وصلت الأصوات غير الصالحة إلى 6,467 صوتًا.
وأضاف أن إجمالي المقاعد التي تنافست عليها التنظيمات السياسية بلغ 247 مقعدًا، موزعة بين مقاعد مجلس ممثلي الولاية ومقاعد المجالس المحلية، مشيرًا إلى أن إعلان النتائج جاء بعد استكمال الإجراءات الفنية والتنظيمية الخاصة بالعملية الانتخابية وفق الآليات المعتمدة من قبل اللجنة.
وأكدت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود أن هذه التجربة تمثل محطة مهمة في مسار تطوير النظام الانتخابي الصومالي، وتعزيز مشاركة المواطنين في اختيار ممثليهم، إلى جانب دعم الانتقال التدريجي نحو منافسة سياسية أكثر تنظيمًا قائمة على البرامج والأحزاب بدلًا من الأنماط التقليدية التي ظلت مهيمنة على المشهد السياسي لعقود.
تقدم كبير لحزب العدالة والتضامن
وأظهرت النتائج المعلنة تقدمًا واضحًا لحزب العدالة والتضامن، الذي يقوده الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، حيث حقق الحزب غالبية مقاعد مجلس ممثلي ولاية غلمدغ، بحصوله على 63 مقعدًا من أصل 89 مقعدًا جرى التنافس عليها في المجلس.
ويمنح هذا الفوز حزب العدالة والتضامن حضورًا قويًا داخل المؤسسات التشريعية في الولاية، كما يعزز قدرته على التأثير في مسار القرارات المحلية خلال المرحلة المقبلة، خاصة فيما يتعلق بالسياسات العامة، والتنمية، والخدمات، وإدارة الملفات المرتبطة بالحكم المحلي.
وفي انتخابات المجالس المحلية، واصل الحزب تقدمه بحصوله على 115 مقعدًا، ليصبح صاحب أكبر تمثيل داخل المجالس المنتخبة، وفق النتائج التي أعلنتها اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود.
في المقابل، حصل تنظيم التوفيق بقيادة الشيخ شاكر على 12 مقعدًا في مجلس ممثلي غلمدغ، بينما حصل تنظيم سينقاد على 6 مقاعد، فيما توزعت المقاعد المتبقية على بقية التنظيمات السياسية المشاركة في الانتخابات.
أما على مستوى المجالس المحلية، فقد حصل تنظيم التوفيق على 49 مقعدًا، في نتائج تعكس استمرار المنافسة بين القوى السياسية المختلفة داخل الولاية، رغم الفارق الكبير في حجم التمثيل بين الحزب المتصدر وبقية التنظيمات.
نتائج تحمل دلالات تتجاوز غلمدغ
وتحظى نتائج انتخابات غلمدغ بأهمية تتجاوز حدود الولاية، باعتبارها جزءًا من مسار أوسع تقوده الصومال لتعزيز المؤسسات المنتخبة وتوسيع المشاركة الشعبية في إدارة الشأن العام.
ويرى مراقبون أن تقدم حزب العدالة والتضامن في هذه الانتخابات يعكس قدرة الحزب على بناء قاعدة انتخابية داخل الولاية، كما يمثل اختبارًا مبكرًا لشعبية الأحزاب السياسية في ظل التحول التدريجي نحو نظام يعتمد على المنافسة الحزبية.
كما أن النتائج قد يكون لها تأثير على طبيعة التوازنات السياسية المقبلة في الصومال، خاصة مع استمرار النقاش الوطني حول مستقبل الانتخابات، ودور الأحزاب، والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء في النظام الفيدرالي.
وأكد محللون أن نجاح أي تجربة انتخابية لا يرتبط فقط بحجم الفوز أو عدد المقاعد التي يحصل عليها أي حزب، وإنما بقدرة المؤسسات المنتخبة على تقديم حلول عملية، وتحسين مستوى الخدمات، والاستجابة لتطلعات المواطنين.
جدل وانتقادات رافقت العملية الانتخابية
ورغم إعلان النتائج الرسمية، فقد شهدت العملية الانتخابية جدلًا سياسيًا وانتقادات من بعض الجهات المعارضة، التي شككت في بعض الإجراءات المرتبطة بإدارة الانتخابات، وطالبت بمزيد من الضمانات لتعزيز الشفافية والثقة في العملية الديمقراطية.
وأشارت تلك الجهات إلى أن المخاوف المتعلقة بنزاهة الانتخابات كانت حاضرة قبل إجراء التصويت، معتبرة أن بعض النتائج كانت متوقعة مسبقًا، وهو ما دفعها إلى الدعوة لمراجعة آليات إدارة العملية الانتخابية خلال المراحل القادمة.
في المقابل، أكدت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات والحدود أن الانتخابات تمت وفق الإجراءات القانونية والتنظيمية المعتمدة، وأن النتائج جاءت بعد عمليات فرز ومراجعة للأصوات، داعية جميع الأطراف إلى احترام المؤسسات الانتخابية والعمل من خلال الأطر القانونية.
وشددت اللجنة على أن تطوير التجربة الانتخابية يحتاج إلى تعاون جميع القوى السياسية والمجتمعية، باعتبار أن بناء نظام انتخابي مستقر يتطلب وقتًا وتراكمًا مؤسسيًا وثقة متبادلة بين مختلف الأطراف.
خلفية المشهد
تأتي انتخابات غلمدغ ضمن مرحلة سياسية مهمة تشهدها الصومال، حيث تتواصل الجهود الرامية إلى تطوير النظام الانتخابي وتعزيز مشاركة المواطنين في اختيار ممثليهم، بعد سنوات طويلة اعتمد فيها المشهد السياسي بصورة أساسية على التوافقات التقليدية والترتيبات القائمة على المحاصصة.
وخلال السنوات الأخيرة، أصبح ملف الانتخابات محورًا رئيسيًا في النقاش الوطني، إذ تسعى المؤسسات الفيدرالية والولايات إلى إيجاد صيغة توازن بين توسيع المشاركة الشعبية والحفاظ على الاستقرار السياسي، في ظل التحديات الأمنية والإدارية التي تواجه البلاد.
وتكتسب ولاية غلمدغ أهمية خاصة داخل المعادلة الصومالية، نظرًا لموقعها الجغرافي ودورها السياسي والأمني، إضافة إلى ارتباطها بعدد من الملفات الوطنية المتعلقة بالأمن والتنمية وبناء مؤسسات الدولة، الأمر الذي يجعل نتائجها محل اهتمام داخلي وخارجي.
ويرى متابعون أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة القوى السياسية والمؤسسات المنتخبة على تحويل نتائج الانتخابات إلى إنجازات ملموسة على الأرض، من خلال تحسين الخدمات، وتعزيز سيادة القانون، وإدارة الخلافات بالحوار، بما يدعم الاستقرار ويعزز مسار بناء الدولة الصومالية.














