مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
كشفت مواقف متباينة صادرة عن عدد من الشخصيات السياسية المنضوية ضمن مجلس مستقبل الصومال عن تصاعد الجدل الداخلي بشأن المقترح الذي تقدم به التحالف المعارض إلى المجتمع الدولي، والمتعلق بتشكيل مجلس أعلى انتقالي مؤقت لإدارة شؤون البلاد خلال المرحلة المقبلة. وبينما يرى بعض قادة المعارضة أن الخطوة تمثل إجراءً استثنائيًا يهدف إلى حماية مؤسسات الدولة وإنهاء حالة الجمود السياسي، يعتقد آخرون داخل المجلس نفسه أن إنشاء هيئة انتقالية جديدة قد يشكل تراجعًا عن مسار بناء الدولة ويعيد الصومال إلى مراحل سياسية تجاوزتها خلال السنوات الماضية.
وجاء هذا الجدل في خضم تصاعد النقاش السياسي حول مستقبل المرحلة المقبلة في الصومال، بعد رسالة وجهتها قيادات في مجلس مستقبل الصومال إلى المجتمع الدولي والدول المشاركة في دعم الأمن بالبلاد، طالبت فيها بتشكيل مجلس انتقالي يتولى إدارة المرحلة السياسية إلى حين التوصل إلى اتفاق انتخابي شامل. وأثارت الرسالة ردود فعل واسعة داخل الأوساط السياسية، حيث اعتبرها مؤيدوها محاولة للخروج من الأزمة الدستورية والسياسية، فيما رأى معارضوها أنها قد تفتح الباب أمام ترتيبات انتقالية جديدة تضعف شرعية المؤسسات القائمة.
وأوضح الدكتور محمود عُلسو، أحد قيادات المعارضة المنضوية ضمن مجلس مستقبل الصومال، أن المقترح المتعلق بتشكيل مجلس أعلى انتقالي مؤقت لا يستهدف، بحسب قوله، المساس بسيادة الدولة الصومالية أو الانتقاص من استقلالها، وإنما يأتي كحل استثنائي لمعالجة ما وصفه بالأزمة السياسية والدستورية التي تمر بها البلاد. وأكد أن الهدف من المجلس المقترح يتمثل في ضمان استمرار عمل مؤسسات الدولة وتسيير المهام اليومية للحكومة، إلى جانب الإشراف على إجراء انتخابات توافقية تأخرت عن موعدها.
وأشار عٌلسو إلى أن ما طرحه مجلس مستقبل الصومال تعرض لما وصفه بـ”تفسيرات خاطئة ومعلومات مضللة” انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أن المقترح لا يعني إلغاء الدولة أو العودة إلى نظام وصاية أو مرحلة انتقالية مفتوحة، وإنما يهدف إلى إيجاد صيغة مؤقتة لإدارة المرحلة السياسية الحالية. وأضاف أن صلاحيات المجلس المقترح ستكون محددة، وتشبه من حيث المبدأ مهام حكومة تصريف الأعمال المنصوص عليها في المادة 103 من الدستور الصومالي المؤقت.
وفي المقابل، برزت أصوات معارضة داخل مجلس مستقبل الصومال نفسه رفضت فكرة تشكيل مجلس انتقالي جديد. فقد أعرب وزير الأمن الأسبق وعضو المجلس محمد أبو بكر إسلَو عن استغرابه من الدعوة إلى إنشاء هيئة انتقالية في هذه المرحلة، معتبرًا أن العودة إلى نموذج الانتقال السياسي قد تمثل تراجعًا عن المكاسب التي حققتها الدولة الصومالية خلال السنوات الماضية. وأكد أن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب مؤسسات جديدة، وإنما في الخلاف حول الانتخابات ومستقبل القيادة الفيدرالية وضرورة التوصل إلى اتفاق سياسي يحافظ على استمرارية الدولة.
كما أعلن رئيس بلدية مقديشو الأسبق وعضو مجلس مستقبل الصومال ثابت عبد محمد رفضه للمقترح، محذرًا من أن تشكيل مجلس انتقالي يتولى إدارة البلاد قد يؤدي إلى مزيد من التأخير السياسي ويعيد الصومال إلى مراحل انتقالية طويلة. وقال إن الحفاظ على شرعية مؤسسات الدولة يجب أن يكون أولوية وطنية، داعيًا إلى الدخول في حوار مباشر بين الحكومة الفيدرالية والقوى المعارضة للوصول إلى تسوية قائمة على التنازلات المتبادلة والتفاهم السياسي.
ويرى مراقبون أن الخلافات داخل مجلس مستقبل الصومال تعكس عمق الانقسام حول أفضل السبل للخروج من الأزمة السياسية الراهنة، حيث تتقاطع الرؤى بين من يركز على ضرورة إيجاد آلية انتقالية جديدة لتجاوز حالة الانسداد، ومن يعتقد أن الحل يكمن في إصلاح المسار السياسي القائم عبر الحوار والانتخابات. ويشير المراقبون إلى أن استمرار التباين داخل المعارضة قد يؤثر على قدرتها في تقديم موقف موحد بشأن مستقبل الحكم، خاصة في ظل استمرار الخلافات مع الحكومة الفيدرالية حول الدستور والانتخابات وتوزيع الصلاحيات.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الساحة السياسية الصومالية تصاعدًا في التوتر بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة، وسط خلافات مرتبطة بشكل الانتخابات المقبلة، والتعديلات الدستورية، وآليات إدارة المرحلة الانتقالية. وبينما تؤكد الحكومة تمسكها بالمسار الدستوري والمؤسسات القائمة، تطالب المعارضة بضمانات سياسية أوسع تضمن مشاركة مختلف الأطراف في صياغة مستقبل البلاد، وهو ما يجعل الحوار السياسي الشامل عاملًا حاسمًا في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة.
تجدر الإشارة إلى أن الصومال مرت خلال العقود الماضية بمراحل سياسية معقدة اتسمت بضعف المؤسسات والصراعات الداخلية والانتقال المتكرر بين الحكومات الانتقالية، قبل أن تبدأ تدريجيًا في بناء نظام فيدرالي واستعادة هياكل الدولة. ولا تزال قضايا الدستور والانتخابات والعلاقة بين الحكومة المركزية والولايات الأعضاء تمثل أكثر الملفات تأثيرًا في المشهد السياسي الوطني. وفي ظل المرحلة الراهنة، تواجه النخب السياسية الصومالية مسؤولية تاريخية تتمثل في إيجاد توازن بين حق المعارضة في ممارسة دورها السياسي وضرورة الحفاظ على شرعية الدولة ومؤسساتها، إذ يبقى التوافق الوطني والحوار المسؤول الطريق الأكثر قدرة على حماية مكتسبات بناء الدولة وتهيئة بيئة مستقرة تسمح بإجراء انتخابات شاملة وتعزيز مسار التنمية والاستقرار في البلاد.














