مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في انتقاد سياسي حاد يعكس تصاعد الجدل بشأن الأداء الاقتصادي والاجتماعي في الصومال، وجّه رئيس الوزراء الصومالي الأسبق حسن علي خيري، أمس السبت، انتقادات حادة إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، متهمًا الحكومة الفيدرالية برئاسة الرئيس المنتهية ولايته الدكتور حسن شيخ محمود، بحسب تعبيره، بالإشراف على تراجع كبير في عدد من المؤشرات الاقتصادية والمعيشية خلال أكثر من أربعة أعوام منذ وصول الرئيس إلى السلطة. وتعكس تصريحات خيري تصاعدًا في حدة السجال السياسي حول أداء الحكومة، وإدارة الموارد العامة، ومستوى التحسن الاقتصادي والاجتماعي الذي شهدته البلاد خلال الفترة الماضية.
وقال خيري، خلال مؤتمر صحفي في مقديشو، إن المعلومات المتاحة لديه تشير إلى تراجع كبير في النمو الاقتصادي والقدرة الشرائية للأسر وربحية الأنشطة التجارية خلال الفترة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية. وأضاف أن هذا التراجع انعكس، وفق تقييمه، على الأسر والقطاع الخاص، وأضعف قدرة المواطنين وأصحاب الأعمال على مواجهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة. وأشار في عرض أحدث إلى أرقام قال إنه استند فيها إلى تقرير للبنك الدولي بشأن الاقتصاد الصومالي، متحدثًا عن تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3% في عام 2025 وانخفاض القدرة الشرائية بنسبة 5.7%.
وأضاف خيري أن عام 2025 كان، بحسب وصفه، من أضعف الأعوام بالنسبة إلى قطاع الأعمال الصومالي خلال عقد، مشيرًا إلى إغلاق بعض الشركات وتقليص شركات أخرى لأعداد موظفيها أو خفض أجور العاملين فيها. كما اتهم الحكومة باتباع سياسات قال إنها أضرت بالاستثمار في الأراضي وأضعفت القطاع المصرفي، معتبرًا أن تراجع النشاط الاقتصادي لا يرتبط فقط بالظروف الخارجية، وإنما أيضًا بما وصفه بأوجه قصور في إدارة السياسات والموارد داخل الدولة.
واتهم خيري الحكومة الحالية، التي وصفها بـ«النظام»، باستغلال الصعوبات التي تمر بها البلاد لمصلحتها، مدعيًا أنها عززت موقعها من خلال ما وصفه باستنزاف الموارد الوطنية والاستحواذ غير القانوني على الأراضي العامة. وقال إن الفساد وسوء الإدارة يعرقلان التنمية الاقتصادية ويقوضان ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، معتبرًا أن استنزاف الموارد العامة يحرم البلاد من فرص حقيقية لتحقيق النمو وتحسين الخدمات. وردد خيري أن الفساد يمثل، من وجهة نظره، أحد أبرز العوامل التي تهدد الاقتصاد وبناء الدولة.
كما اتهم خيري الحكومة بعودة نقاط التفتيش غير الرسمية على الطرق الرابطة بين أفغوي ومقديشو، قائلًا إن مزارعين يضطرون إلى دفع مبالغ مالية عند 16 نقطة تفتيش، وهو ما اعتبره عاملًا يضر بالإنتاج الزراعي ويسهم في ارتفاع أسعار المواد الغذائية. ووجه كذلك انتقادات إلى الشركات العاملة في ميناء مقديشو، مدعيًا فرض رسوم إضافية قدرها 320 دولارًا لكل حاوية، معتبرًا أن هذه التكاليف تزيد الأعباء على المستوردين وتنعكس في نهاية المطاف على الأسعار والأسواق المحلية. وهذه الاتهامات، كما وردت على لسان خيري، لم تتضمن في المصدر تفاصيل مستقلة تؤكدها.
وقال رئيس الوزراء الأسبق إن معدل التضخم بلغ، وفق الأرقام التي نسبها إلى البنك الدولي، 6%، معتبرًا أن ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة يفرضان ضغوطًا إضافية على الأسر والشركات. وربط خيري بين هذه التطورات وبين ما وصفه بضعف القدرة الاقتصادية للمواطنين وتراجع البيئة المناسبة للنشاط التجاري والاستثمار، داعيًا إلى التعامل مع ارتفاع الأسعار والبطالة وضعف القوة الشرائية باعتبارها تحديات مباشرة تمس الحياة اليومية للسكان.
وانتقد خيري كذلك إدارة الحكومة للمشاريع التنموية الممولة دوليًا، متهمًا إياها بعدم الاستفادة بصورة فعالة من مئات الملايين من الدولارات المخصصة لمشاريع التنمية في الصومال. وقال إن البنك الدولي والبنك الأفريقي للتنمية والشراكة العالمية من أجل التعليم خصصت أكثر من 330 مليون دولار لمشاريع تنموية في الصومال خلال عام 2024، لكنه ادعى أن نحو 240 مليون دولار، أي قرابة 73%، لم تُستخدم. وأضاف أن أكثر من 407 ملايين دولار خصصت في عام 2025، بينما ظل نحو 285 مليون دولار، أي حوالي 70%، غير مستخدم، معتبرًا أن عدم استثمار هذه الأموال يمثل فرصًا ضائعة لخلق الوظائف وتحفيز النمو ودعم التنمية الاجتماعية.
وفي الجانب الإنساني والاجتماعي، قال خيري إن الحكومة لم تنجح، بحسب تقييمه، في تحسين أوضاع الفئات الأكثر هشاشة، مشيرًا إلى ارتفاع عدد النازحين داخليًا من نحو 2.9 مليون شخص عام 2022 إلى 3.4 مليون، فضلًا عن مواجهة نحو 6.5 مليون شخص لانعدام الأمن الغذائي وظروف إنسانية صعبة. وربط رئيس الوزراء الأسبق بين هذه المؤشرات وبين ما وصفه بتداخل الضغوط الاقتصادية والفساد وضعف القدرات الحكومية، معتبرًا أن هذه العوامل أسهمت في تدهور الظروف المعيشية ووسعت دائرة الفئات المتضررة.
وأكد خيري أن ما وصفه بالوقائع المسجلة في الصومال والواقع على الأرض يظهر أن الصومال أصبحت أكثر فقرًا مقارنة باليوم الذي انتُخب فيه الرئيس حسن شيخ محمود، داعيًا رجال الأعمال والمثقفين وعموم الشعب الصومالي إلى تقييم ما وصفه بالأضرار التي تسببت فيها الإدارة الحالية والعمل بصورة جماعية على حماية مستقبل البلاد. ولم يطرح رئيس الوزراء الأسبق، في تصريحاته، برنامجًا تفصيليًا أو حزمة سياسات محددة قال إنه سيطبقها لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي أشار إليها، لكنه ركز على إدارة الموارد العامة ومكافحة الفساد وتحسين أداء مؤسسات الدولة.
وتأتي انتقادات خيري في وقت تسعى فيه الحكومة الفيدرالية إلى إبراز ما تعتبره تقدمًا في الإصلاحات الاقتصادية والمالية، بما في ذلك تخفيف أعباء الديون وإعادة هيكلة المالية العامة وتوسيع الإيرادات الحكومية، بينما لا تزال الصومال تواجه تحديات كبيرة مرتبطة بالفقر والبطالة والنزوح والأمن والأزمات المناخية ومحدودية فرص العمل. كما لا تزال المساعدات الدولية تمثل عنصرًا مهمًا في الاقتصاد، في وقت تواصل فيه الصراعات والصدمات المناخية والظروف المعيشية الصعبة الضغط على الأسر والقطاع الخاص.
ولم تصدر الحكومة الفيدرالية، حتى وقت إعداد هذا التقرير، ردًا رسميًا على الاتهامات التي وجهها خيري، بما في ذلك ما يتعلق بالمؤشرات الاقتصادية، والفساد، وإدارة الموارد العامة، ونقاط التفتيش، والرسوم المفروضة على الحاويات، واستخدام أموال المشاريع التنموية. ويترك غياب الرد الرسمي هذه الاتهامات في إطار التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء الأسبق، إلى حين تقديم الحكومة بياناتها أو توضيحاتها بشأن ما ورد فيها.
وتجدر الإشارة إلى أن حسن علي خيري، الذي تولى منصب رئيس الوزراء الصومالي بين عامي 2017 و2020، لا يزال من الشخصيات السياسية البارزة في البلاد، وقد سبق له توجيه انتقادات للحكومة الفيدرالية بشأن ملفات سياسية وأمنية واقتصادية. وتأتي تصريحاته الأخيرة في مرحلة يتزايد فيها التنافس السياسي داخل الصومال، مع اقتراب استحقاقات سياسية وانتخابية مرتقبة، ما يجعل قضايا الأداء الاقتصادي، والظروف المعيشية، ومكافحة الفساد، وإدارة الموارد العامة، واستخدام التمويل التنموي الدولي، محاور رئيسية في النقاش السياسي. وبينما تركز الحكومة على مسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية وتخفيف أعباء الديون وتعزيز الإيرادات، تواصل قوى المعارضة تسليط الضوء على الفقر والبطالة والنزوح وارتفاع الأسعار، في وقت تبقى فيه قدرة الدولة على تحويل الموارد والإمكانات المتاحة إلى فرص عمل وخدمات وتنمية مستدامة موضع جدل سياسي واسع.














