هرجيسا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
دافع رئيس صوماليلاند، عبد الرحمن محمد عبد الله “عِرّو”، عن قرار حكومته فتح سفارة في مدينة القدس وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، في خطوة وُصفت بأنها من أكثر القرارات إثارة للجدل في مسار السياسة الخارجية للإقليم، نظراً لما تحمله من أبعاد سياسية ودبلوماسية بالغة الحساسية، وما أثارته من ردود فعل داخلية وخارجية واسعة النطاق شملت أطرافاً معارضة ودولاً إسلامية اعتبرت الخطوة تحولاً لافتاً في تموضع صوماليلاند على خريطة العلاقات الدولية وإعادة رسم أولوياتها الدبلوماسية في مرحلة إقليمية معقدة.
وقال الرئيس عِرّو، في تصريحات أدلى بها من العاصمة هرجيسا، إن السفارة التي تم افتتاحها تقع في “القدس الغربية”، مشيراً إلى أن عدداً من الدول تتعامل مع هذا الجزء باعتباره ضمن السيادة الإسرائيلية، مؤكداً أن السياسة الخارجية لصوماليلاند تُدار حصراً وفق ما وصفه بـ“المصالح الوطنية الصوماليلاندية”، وبما يضمن استقلال القرار السياسي والدبلوماسي بعيداً عن أي ضغوط أو إملاءات خارجية أو اعتبارات إقليمية معقدة قد تحد من حرية تحركها في بناء علاقاتها الدولية وتوسيع حضورها الخارجي.
وفي تصريح لافت حمل أبعاداً سياسية وإعلامية واسعة، قال عِرّو: “لم يتم انتخابي لأخدم فلسطين، بل لخدمة مصالح صوماليلاند”، وهو تصريح أثار موجة واسعة من الجدل وردود الفعل على المستويين المحلي والدولي، قبل أن يوضح في السياق ذاته أن هذا الموقف لا يعني بأي شكل من الأشكال معاداة الشعب الفلسطيني أو التقليل من حقوقه المشروعة، مؤكداً دعم بلاده لأي تسوية عادلة تضمن للفلسطينيين حقهم الكامل في تقرير المصير وفق القوانين والقرارات الدولية ذات الصلة وبما يحفظ الاستقرار الإقليمي.
وأضاف أن صوماليلاند، منذ إعلان استقلالها من جانب واحد عام 1991، ظلت تسعى بشكل متواصل ومنهجي للحصول على اعتراف دولي واسع من المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول الإسلامية، إلا أن هذه الجهود لم تحقق النتائج المرجوة حتى الآن، وهو ما دفع حكومته إلى إعادة تقييم شاملة لسياستها الخارجية وصياغة توجهاتها الدبلوماسية بما يتماشى مع متطلبات المرحلة ومصالحها الاستراتيجية في ظل بيئة دولية شديدة التعقيد وسريعة التحول.
وأشار الرئيس إلى أن صوماليلاند دولة ذات أغلبية مسلمة، وتربطها روابط تاريخية وثقافية ودينية ممتدة وعميقة مع العالم الإسلامي، غير أن غياب الاعتراف الرسمي من عدد كبير من الدول الإسلامية شكّل عاملاً مؤثراً في رسم توجهاتها الدبلوماسية، الأمر الذي دفعها إلى توسيع دائرة علاقاتها الخارجية وبناء شراكات متعددة الاتجاهات مع أطراف دولية مختلفة بهدف تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي وتحسين موقعها في النظام الدولي.
وفي سياق متصل، أوضح عِرّو أن إسرائيل كانت أول دولة تقدم اعترافاً رسمياً بصوماليلاند، معتبراً ذلك “تطوراً مفصلياً” في مسار العلاقات الخارجية، ومؤكداً أن العلاقات بين الجانبين تقوم على مبدأ المعاملة بالمثل والاعتراف المتبادل، وأن الدبلوماسية الحديثة باتت تعتمد على تبادل المصالح والمنافع الاستراتيجية بعيداً عن الاصطفافات التقليدية والتحالفات السياسية الجامدة التي حكمت العلاقات الدولية لعقود طويلة.
كما وجّه الرئيس رسالة إلى الدول الإسلامية، قال فيها إن صوماليلاند لا تزال تنظر إليها باعتبارها دولاً شقيقة تربطها بها روابط الدين والتاريخ والجغرافيا السياسية، داعياً إياها إلى دعم تطلعاتها المشروعة أو على الأقل عدم عرقلة مسارها السياسي والدبلوماسي، في إشارة إلى الجدل الواسع الذي رافق قرار فتح السفارة في القدس وما تبعه من انتقادات إقليمية ودولية متواصلة على مستويات سياسية وقانونية وإعلامية متعددة.
وفي المقابل، عبّر حزب “كاه” المعارض عن تحفظه على القرار، مؤكداً أن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل لا تمثل إشكالاً من حيث المبدأ، لكن اختيار القدس كموقع للسفارة يثير إشكالات قانونية ودستورية وسياسية عميقة، ويخالف عدداً من المرجعيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وهو ما يعكس استمرار الانقسام الداخلي الحاد حول توجهات السياسة الخارجية ومستقبل علاقات الإقليم الدولية في ظل بيئة سياسية متغيرة ومعقدة.
يعكس هذا التطور تحولاً متسارعاً في مقاربة صوماليلاند لسياساتها الخارجية، حيث تتقاطع رغبتها في كسر العزلة الدبلوماسية مع سعيها لإعادة صياغة موقعها في النظام الدولي عبر بناء علاقات غير تقليدية. وفي الوقت ذاته، يبرز هذا الجدل حجم التحديات التي تواجهها في الموازنة بين متطلبات الاعتراف الدولي وضغوط الداخل والخارج، خاصة في الملفات ذات الحساسية السياسية والدينية العالية مثل القضية الفلسطينية. وبين طموح الانفتاح الخارجي ومخاوف التداعيات السياسية، يبقى مستقبل تحركاتها الدبلوماسية مرهوناً بقدرتها على إدارة هذا التوازن الدقيق في بيئة إقليمية ودولية لا تزال تتسم بتشابك المصالح وتضارب المواقف.














