هرجيسا – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
أعلنت وزارة الإعلام والثقافة والتوعية في صوماليلاند عن حزمة جديدة وموسعة من الإجراءات التنظيمية الصارمة والشاملة المتعلقة بقطاع الإعلام والعمل الصحفي داخل البلاد، في خطوة وصفتها بأنها تأتي ضمن توجه حكومي متدرج لإعادة ضبط بيئة الممارسة الإعلامية على أسس قانونية ومؤسسية أكثر إحكاماً ووضوحاً، وبما يضمن رفع مستوى الانضباط المهني بشكل جذري، وتعزيز الالتزام بالمعايير الرسمية المنظمة للمهنة، إضافة إلى دعم جهود الدولة في حماية الأمن العام، وترسيخ الاستقرار المجتمعي، والحد من الممارسات الإعلامية غير المنظمة.
وبحسب بيان رسمي مطول صادر عن الوزارة، فإن هذه الإجراءات تستند إلى صلاحياتها الدستورية والقانونية الكاملة المخولة لها بموجب التشريعات النافذة، وعلى رأسها قانون فصل السلطات والمؤسسات المستقلة رقم (71/2025)، وتحديداً المادة (41)، حيث أكدت الوزارة أن ما تم الإعلان عنه لا يمثل إجراءً مؤقتاً أو ظرفياً مرتبطاً بحدث معين، بل يأتي ضمن سياسة استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى إعادة هيكلة قطاع الإعلام بشكل شامل وعميق، وتنظيم آليات العمل الصحفي من جذورها، وضبط عمليات النشر والبث والتصوير والتوثيق الميداني، بما يضمن انسجامها الكامل مع الإطار القانوني الوطني.
وأضاف البيان أن الوزارة قامت بتعميم تعليمات رسمية مفصلة وموسعة على جميع الجهات ذات الصلة في الدولة، بما في ذلك الأجهزة الأمنية بمختلف مستوياتها ومناطق انتشارها، ووسائل الإعلام المحلية المرخصة، والصحفيين المسجلين رسمياً لدى نقابة الصحفيين في صوماليلاند (SOLJA)، وتشمل هذه التعليمات منعاً صريحاً وحاسماً لاستخدام الكاميرات أو الهواتف المحمولة أو أجهزة التسجيل الصوتي أو المرئي أو أي أدوات بث أو توثيق إعلامي من قبل أي شخص لا يحمل صفة صحفية رسمية معترف بها أو اعتماداً قانونياً سارياً وصريحاً يخول له ممارسة العمل الإعلامي بشكل قانوني ومنظم، سواء في التغطيات الميدانية للأحداث أو داخل المدن أو في الأسواق أو في مختلف الفضاءات العامة والتجمعات المدنية.
كما أوضح البيان في سياق تفصيلي أن هذه الإجراءات لا تستهدف بأي حال من الأحوال تقييد حرية الإعلام المهني أو التضييق على العمل الصحفي المنظم، بل تهدف – بحسب ما ورد – إلى حماية المهنة من مظاهر الانتحال والفوضى المهنية والتداخل غير المنظم في العمل الإعلامي، وضمان أن تبقى التغطية الإعلامية قائمة على قواعد مهنية واضحة ومعايير أخلاقية وقانونية معتمدة، إلى جانب تعزيز الأمن العام، وصون الاستقرار المجتمعي، والحفاظ على القيم الدينية والثقافية والاجتماعية، والحد من انتشار المحتوى الإعلامي غير الموثوق أو المضلل أو الذي قد يؤدي إلى إثارة القلق أو التأثير السلبي على الرأي العام والسلم الأهلي.
وفي السياق ذاته، شددت الوزارة بشكل واضح وموسع على أنها ستباشر تطبيق إجراءات قانونية صارمة وفورية بحق أي شخص يثبت قيامه بانتحال صفة صحفي أو ممارسة نشاط إعلامي دون ترخيص رسمي أو اعتماد مهني معترف به، سواء في الأسواق العامة أو داخل المدن أو في الطرقات أو في أي من التجمعات السكانية، مؤكدة أن هذه الخطوة تأتي في إطار إعادة ضبط شامل للفضاء الإعلامي، وحماية المهنة من التشويه، وترسيخ بيئة إعلامية قائمة على الالتزام المؤسسي والقانوني الصارم، ومنع أي تجاوزات قد تمس بمصداقية العمل الصحفي أو تؤثر على النظام العام.
وتشير مصادر إعلامية مطلعة إلى أن هذه الإجراءات قد تمثل بداية مرحلة تنظيمية عميقة وممتدة في قطاع الإعلام داخل البلاد، تشمل مراجعة شاملة ودقيقة لجميع تراخيص المؤسسات الإعلامية القائمة، وإعادة تقييم أوضاع العاملين في المجال الإعلامي، وتعزيز آليات التنسيق والتكامل بين وزارة الإعلام والأجهزة الأمنية والجهات الرقابية ذات الصلة، بهدف ضمان التطبيق الفعلي والفعّال لهذه التعليمات، في وقت يشهد فيه المشهد الإعلامي توسعاً غير مسبوق في استخدام الوسائط الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي كوسائل رئيسية في نقل الأخبار والتغطيات الفورية.
كما يشير مراقبون إلى أن هذا التوجه التنظيمي يأتي في سياق إقليمي ودولي أوسع يشهد تحديات متزايدة تتعلق بالإعلام الرقمي، حيث أصبحت سرعة انتشار المعلومات وتعدد مصادرها وصعوبة التحقق منها من أبرز الإشكالات التي تواجه الأنظمة الإعلامية الحديثة، ما يدفع عدداً من الحكومات إلى تبني سياسات أكثر صرامة في تنظيم المحتوى الإعلامي، مع محاولة تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن العام وضبط الفضاء المعلوماتي، وبين حماية حرية التعبير ودور الصحافة المهنية في الرقابة ونقل الحقيقة.
تتجه صوماليلاند من خلال هذا القرار إلى إعادة بناء الإطار المؤسسي المنظم للعمل الإعلامي بصورة أكثر صرامة وتفصيلاً، في محاولة لإرساء قواعد مهنية وقانونية جديدة تتناسب مع التحولات المتسارعة في قطاع الإعلام الرقمي وتزايد تأثيره المباشر على الرأي العام وصناعة القرار. وفي المقابل، يفتح هذا المسار التنظيمي نقاشاً واسعاً حول كيفية تحقيق معادلة دقيقة بين تعزيز الأمن والاستقرار وضبط الممارسة الإعلامية من جهة، وصون حرية الصحافة وضمان استقلاليتها من جهة أخرى، بما يضمن وجود بيئة إعلامية متوازنة قادرة على أداء دورها المهني دون فوضى، وفي الوقت ذاته دون قيود مفرطة تحد من ديناميكيتها الطبيعية.















