لا شك أن أي خطوة جادة تتخذها الدولة بهدف دعم مدارس القرآن الكريم، وتطوير مستوى معلميها، والارتقاء بالتعليم الديني، هي خطوة تستحق الترحيب والتقدير؛ فهذه المؤسسات تمثل جزءاً أصيلاً من هوية المجتمع وثقافته، كما أن دعمها وتطويرها يُعد مسؤولية وطنية ودينية.
غير أن الجدل الدائر حول هذا الملف لم ينشأ بسبب رفض تطوير مدارس القرآن الكريم أو تحسين أدائها، وإنما يتمحور حول إلحاق مدارس القرآن الكريم والمعاهد الشرعية بوزارة التربية والتعليم، وطبيعة هذا التحول الإداري، وما قد يترتب عليه مستقبلاً من آثار تمس خصوصية هذه المؤسسات، واستقلاليتها، ودورها في المجتمع.
وقد تصاعدت هذه النقاشات عقب تصريحات رئيس الوزراء المتعلقة بمدارس القرآن الكريم، إلى جانب الجدل السابق بشأن قيام وزارة التربية والتعليم بتعيين مسؤول إداري للإشراف على ملف المعاهد الشرعية ومدارس القرآن الكريم بصورة منفردة، في وقت لم تكن فيه حدود الاختصاصات بين الجهات الحكومية قد حُسمت بصورة واضحة.
كما أن النقاشات الحكومية المتعلقة بتوزيع الصلاحيات في ذلك الوقت أشارت إلى ارتباط المعاهد الشرعية ومدارس القرآن الكريم بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وهو نموذج معمولٌ به في عدد من الدول الإسلامية التي تفصل بين إدارة التعليم العام والإشراف على المؤسسات التعليمية الشرعية.
ولهذا فإن النقاش حول مستقبل مدارس القرآن الكريم والمعاهد الشرعية ليس نقاشاً عابراً، بل هو قضية تستحق دراسةً متأنية وحواراً مسؤولاً، لأنها تمس الدين والتعليم والمجتمع في آنٍ واحد.
إن نقل مدارس القرآن الكريم والمعاهد الشرعية من جهة حكومية إلى أخرى يحتاج إلى دراسةٍ معمقة ورؤية واضحة، ولا يقتصر على كونه قراراً إدارياً؛ لأن القضية لا تتعلق بتغيير الهيكل التنظيمي فحسب، بل بمستقبل مؤسسات لها خصوصيتها الدينية والاجتماعية.
وإذا كان الهدف من نقل إدارة هذه المؤسسات هو التطوير، فإن ذلك يثير تساؤلاً مشروعاً حول مدى جاهزية وزارة التربية والتعليم لتحمل هذه المسؤولية، في ظل استمرار التحديات الكبيرة التي تواجه قطاع التعليم النظامي، سواء في تطوير المناهج، أو توفير البنية التحتية، أو استعادة بعض المدارس التي ما تزال تحت إدارة جهات خاصة، أو ترميم وتأهيل المدارس التي لم تشهد تطويراً كافياً منذ سنوات طويلة، فضلاً عن معالجة الجوانب التربوية والتنظيمية داخل المؤسسات التعليمية.
ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: إذا كانت وزارة التربية والتعليم لا تزال تواجه تحديات كبيرة في أداء مسؤولياتها في التعليم العام، فما مدى قدرتها على إدارة قطاع آخر ذي طبيعة خاصة، مثل التعليم القرآني والشرعي؟ وهل من الحكمة الانتقال إلى مسؤوليات جديدة قبل استكمال معالجة الملفات الأساسية القائمة؟
وهذا التساؤل لا يعني رفض مشاركة وزارة التربية والتعليم في تطوير هذه المؤسسات أو الاستفادة من خبراتها الفنية، وإنما يؤكد أهمية وضوح الرؤية، وتحديد الاختصاصات، وضمان ألا يؤدي أي تغيير إداري إلى المساس بخصوصية التعليم الشرعي أو الحد من دوره المجتمعي.
ومع وجود مشاريع وبرامج ذات تمويلات كبيرة مرتبطة بمدارس القرآن الكريم والمعاهد الشرعية، تبرز تساؤلات ومخاوف من أن تكون هذه التمويلات سبباً في تنافس بعض الجهات على الإشراف على هذا القطاع، ليس بقصد تطوير التعليم الشرعي، أو الارتقاء بمستوى الأداء، أو تحسين أوضاع المعلمين، وإنما للاستفادة من المشاريع والتمويلات المخصصة له.
وإذا صح هذا الافتراض، فإنه يمثل مؤشراً يدعو إلى القلق، وينذر بتحول الاهتمام بهذا القطاع تدريجياً من خدمة التعليم الشرعي وتطويره إلى السعي وراء المصالح الإدارية أو المالية، وهو ما لا يخدم مصلحة مدارس القرآن الكريم والمعاهد الشرعية، ولا يحقق المصلحة العامة للمجتمع بأسره.
كما أن التجارب السابقة في بعض الملفات المرتبطة بالتشريعات والبرامج الاجتماعية والتعليمية أظهرت أن بعض المشاريع قد تتأثر أحياناً باعتبارات التمويل أو أولويات الجهات الداعمة؛ ولذلك فإن أي مشروع يتعلق بالتعليم الديني يحتاج إلى نقاش مجتمعي واسع يضمن توافقه مع قيم المجتمع وتلبية احتياجاته، ويكفل الحفاظ على هوية هذه المؤسسات ورسالتها.
ومن هنا يبرز سؤال مهم: إذا كان الهدف الأساسي هو تطوير التعليم الديني وتحسين أداء مدارس القرآن الكريم والمعاهد الشرعية، فلماذا لا يتم تمكين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالموارد والإمكانات والأصول التي تساعدها على القيام بدورها، مثل تخصيص الأراضي والممتلكات العامة لإنشاء مدارس قرآنية ومعاهد شرعية وقفية تسهم في استدامة هذا القطاع، وتخدم المجتمع على المدى الطويل؟
إن من أهم الجوانب التي ينبغي مراعاتها أن الحكومات والمسؤولين يتغيرون بمرور الوقت، وما هو قائم اليوم قد يتغير غداً. فقد يأتي مسؤولون لديهم تصورات مختلفة لطبيعة دور مدارس القرآن الكريم والمعاهد الشرعية، ولذلك فإن بناء نظام مستقر لهذه المؤسسات يجب ألا يعتمد على الأشخاص، بل على قوانين واضحة وضمانات تكفل الحفاظ على مكانتها ورسالتها.
ولهذا فإن ربط مدارس القرآن الكريم والمعاهد الشرعية بأي جهة حكومية يجب أن يقوم على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تضمن استمرار رسالتها، وتحافظ على هويتها العلمية والدينية، وتحميها من التأثر بالتغيرات الناجمة عن تبدل المسؤولين أو تغير السياسات.
وفي الختام، فإن تطوير مدارس القرآن الكريم والمعاهد الشرعية مطلب مشترك لا يختلف عليه أحد، لكن الطريق إلى تحقيقه يجب أن يقوم على الحوار الجاد، والشفافية، ومشاركة العلماء، وإدارات هذه المؤسسات، والمجتمع، للوصول إلى صيغة تحقق المصلحة العامة، وتحافظ على مكانة التعليم الشرعي ودوره في بناء المجتمع.













