يمثل مضيق باب المندب ممرًا مائيًا عالميًا، يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل وصلة حيوية بين الشمال والجنوب، إذ يمر فيه ما يقارب 12% من التجارة العالمية، في حين تشير التقديرات إلى أن 60% من الصادرات الصينية المتجهة إلى أوروبا تعبر مضيق باب المندب، مما يجعله شريانًا فعالًا للتجارة الصينية.
ومع تصاعد الهجمات التي يشنها الحوثيون على الشحن الدولي البحري منذ أواخر عام 2023، وإعلان الجماعة في 20 يوليو 2026 فرض إغلاق بحري أمام السفن المرتبطة بالموانئ السعودية، تحول المضيق إلى نقطة حساسة قد تخلق توترًا عالميًا، وتكشف هشاشة الاعتماد على هذه المنطقة بوصفها بؤرة لسلاسل الإمداد الدولية، وتأثير الأطراف المختلفة فيها، وبمقادير مختلفة، وفقًا لمصالحها الحيوية.
ولا تنبع أهمية باب المندب بالنسبة إلى الصين من كونه ممرًا للتجارة والطاقة فحسب، بل من ارتباطه المباشر بحماية سلاسل إمدادها والحفاظ على تدفق مصالحها الاقتصادية في بيئة إقليمية تتداخل فيها الحسابات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية.
وفي هذا المضمار، صممت الصين توليفة فريدة في الجمع بين الدبلوماسية الهادئة والنشاط الاقتصادي والاتصال عبر قنوات رمادية، مما سهل لها الحفاظ على مصالحها في أكثر المناطق توترًا وسخونة.
ومن هنا، تبدو الاستراتيجية الصينية أقرب إلى إدارة المخاطر وتوسيع هامش المناورة، بدلًا من الانخراط المباشر في الصراع، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف.
أولًا: الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لباب المندب في الاستراتيجية الصينية
تعتبر الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر مستورد للنفط في العالم، وتعتمد على الشرق الأوسط بشكل كبير، ويمثل باب المندب ممرًا حيويًا لنقل 12% من النفط البحري و8% من الغاز الطبيعي المسال، مما يعني أن أي اهتزاز أو اضطراب في الملاحة في المضيق سوف ينعكس بصورة مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، من خلال تباطؤ التوريد وارتفاع الأسعار بصورة كبيرة.
وقد قاد تصاعد وتيرة الهجمات الحوثية إلى رفع تكلفة نقل البضائع الصينية وارتفاع أقساط التأمين على البضائع، مما دفع الصين إلى التفكير في أساليب أكثر نجاعة وملاءمة للمرحلة لعبور ناقلاتها بوسائل غير تقليدية.
وبذلك، يتحول باب المندب في الحسابات الصينية من مجرد ممر جغرافي إلى عنصر مؤثر في أمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، خصوصًا في ظل تصاعد المخاطر التي تواجه حركة الملاحة في البحر الأحمر.
التنافس الأمريكي الصيني على مضيق باب المندب
يمثل التنافس بين أمريكا والصين ساحة جيوسياسية في باب المندب، في حين تعتمد أمريكا على حضورها العسكري في المنطقة لحماية مصالحها وحلفائها، كما أن الصين دخلت في بناء قاعدة عسكرية في البحر الأحمر، خاصة في جيبوتي، لخلق نوع من التوازن في هذا المنعطف الحيوي، سواء كان تجاريًا أو عسكريًا إذا أصبحت هناك حاجة ملحة.
ويمنح ذلك الصين فرصة تنافسية مع أمريكا ويحافظ على مصالحها في المنطقة، ويسهل عبور ناقلاتها في المدى الطويل، ويجسد دبلوماسية محنكة لخلق حلفاء قد يعتمدون النفوذ الصيني المتواجد في باب المندب والبحر الأحمر، كإيران التي تمثل القلب النابض لممر اقتصادي وتجاري عبر آسيا، فأي اضطراب في هذه المنطقة قد ينعكس سلبًا على المصالح الصينية.
وعليه، فإن الحضور الصيني في المنطقة لا يرتبط فقط بمنافسة الوجود الأمريكي، وإنما يتصل أيضًا بمحاولة تأمين المصالح الاقتصادية وامتلاك أدوات حركة تسمح لبكين بالتعامل مع التحولات الإقليمية بأقل قدر ممكن من المخاطر.
ثانيًا: الدبلوماسية الصينية – الاتصالات المباشرة والضمانات السرية
إذا كان الحضور الاقتصادي والعسكري يوفر للصين أدوات طويلة المدى لحماية مصالحها، فإن الدبلوماسية تمنحها وسيلة أكثر مرونة للتعامل مع المخاطر الآنية.
2.1 مبادرات دبلوماسية غير معلنة
كشفت وكالة رويترز في 20 يوليو أن الصين تواصلت مع الحوثيين للسماح للناقلات الصينية بالإبحار وعبور البحر الأحمر وعدم التعرض لها بالأذى في باب المندب.
وبحسب المصادر الإيرانية المطلعة، ذكرت أن بكين طلبت مباشرة من الجماعة الحوثية تعهدًا بضمان أمن النفط الصيني العابر لباب المندب.
ويمثل هذا النهج العملي الجمع بين التحركات السرية والدبلوماسية العلنية لحفظ مصالحها القومية، ومن دون انحياز لأي طرف في الصراع.
وتكمن أهمية هذا النهج في أنه يمنح الصين مساحة للمناورة بين حماية مصالحها الاقتصادية وتجنب الانخراط المباشر في الصراع، بما يسمح لها بالحفاظ على قنوات اتصال مع الأطراف المؤثرة في أمن الملاحة.
2.2 نظام العبور الانتقائي
أشارت بعض التقارير إلى أن الحوثيين قد أسسوا نظامًا انتقائيًا لتقديم طلبات العبور عبر المضيق بصورة مسبقة، مما جعل الصين تحظى بمعاملة تفضيلية أعطتها ميزة للبضائع الصينية في الأسواق العالمية، وأقر لها سلوكًا ناجحًا في تخفيف معاناة ارتفاع الأسعار والتضخم، وخاصة النفط.
وأثبتت بيانات تتبع السفن أن كثيرًا من السفن السعودية الناقلة للنفط مرت عبر باب المندب بعد إعلان الحصار، وهو ما قد يكون نتيجة للتفاهم بين بكين والحوثيين.
وتثير هذه الوقائع تساؤلًا بشأن طبيعة الترتيبات التي تحكم حركة بعض السفن في ظل التهديدات القائمة، ومدى قدرة القوى المختلفة على الحصول على ضمانات أو ترتيبات عبور خاصة.
2.3 الموقف الرسمي بين الإقرار والتكتم
وقد أكدت الصين أنها تتابع تطورات الأوضاع في البحر الأحمر، من دون ذكر هذه الاتصالات بصورة رسمية، وشددت على ضرورة احترام سيادة الدول وعدم خرق أمنها القومي وضمان الممر البحري الدولي مفتوحًا أمام الجميع.
ودعت جميع الأطراف إلى ضبط النفس واستخدام الحوار والمشاورات لحل الخلافات، والابتعاد عن التصعيد لضمان استقرار التجارة الدولية.
وهنا يظهر الفارق بين الخطاب الرسمي الصيني، الذي يركز على احترام السيادة وحرية الملاحة وخفض التصعيد، وبين التحركات العملية التي تهدف إلى حماية المصالح الصينية في بيئة بحرية شديدة الحساسية.
ثالثًا: الملاحة تحت العلم الصيني – واقع ميداني يثير التساؤلات
وإذا كانت الاتصالات الدبلوماسية تمثل أحد أوجه الاستراتيجية الصينية، فإن حركة السفن تقدم مؤشرًا ميدانيًا آخر على كيفية إدارة هذه الاستراتيجية.
3.1 عبور آمن رغم الحصار
أكدت بيانات تتبع السفن في 23 يوليو 2026 أن ناقلتي نفط صينيتين، تحملان 4 ملايين برميل من الخام السعودي، عبرتا باب المندب بأمان، في وقت هاجم فيه الحوثيون سفينتين سعوديتين قبل ساعات فقط، رغم إبلاغهما بوجود طاقم صيني، وأن واحدة منهما كانت ترفع العلم الصيني.
مما يطرح تساؤلًا حول طبيعة العلاقات الصينية الحوثية، وما إذا كان هناك اتفاق غير معلن أعطى الصين ميزة العبور الآمن لأخطر المناطق وأكثرها توترًا.
غير أن هذه الوقائع، بحد ذاتها، لا تثبت وجود اتفاق سري ثابت، وإنما تفتح باب التساؤل حول طبيعة التفاهمات التي قد تكون وراء استمرار عبور بعض السفن المرتبطة بالصين في ظل المخاطر القائمة.
3.2 شبكة إمداد مرنة
بالرغم من قدرة الصين على تأمين ناقلاتها عبر باب المندب، فإن الأمر لم يقتصر على هذا الحد، بل تمكنت الصين من خلق شبكة إمداد مرنة مكنتها من تدفق النفط في خضم اضطرابات المنطقة، وذلك بوصولها إلى النفط الخام في الشرق الأوسط عبر قناتين:
النفط السعودي: وقد استخدمت ناقلتين صينيتين تعبران المياه التي يسيطر عليها الحوثيون.
النفط الإيراني: وتتم العملية عبر نقل النفط من سفينة إلى سفينة في البحر نفسه، على سفن قبالة السواحل الماليزية.
فهذه الشبكة التي تتسم بمرونة فائقة وفرت للمصافي الصينية التزويد والحفاظ على أدائها، في حين يعاني الآخرون من تكاليف التأمين الباهظة.
وتبرز هنا إحدى أهم سمات المقاربة الصينية، وهي عدم الاعتماد على مسار واحد لتأمين احتياجاتها، بل الاستفادة من مسارات وقنوات متعددة لتقليل أثر الاضطرابات على تدفقات الطاقة.
رابعًا: الاتهامات الغربية والدعم غير المباشر
4.1 عقوبات أمريكية على شركات صينية
فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شركة صينية لتكنولوجيا الأقمار الصناعية، متهمة إياها بتزويد الحوثيين بخدمات فضائية حساسة لاستهداف السفن الدولية في البحر الأحمر.
وتشير بعض التقارير إلى الدعم الصيني غير المباشر للحوثيين عبر إيران بتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، كالطائرات المسيرة والصواريخ وصور الأقمار الصناعية، مما عزز قدرات الحوثيين العسكرية وعمق اختلال التوازن مع خصومها في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
وتبقى هذه الاتهامات في إطار السجال الدولي حول طبيعة الدور الصيني، ولا سيما في ظل النفي الصيني للاتهامات التي تربط بكين بتقديم دعم عسكري مباشر للحوثيين.
4.2 مكونات صينية في ترسانة الحوثيين
فالمسيرات الحوثية تعتمد في إنتاجها على مكونات صينية، وخصوصًا المراوح وأدوات التحكم، فقد ضبطت سلطات الجمارك الحكومية في مارس 2025 نحو 800 مروحة لطائرات مسيرة صينية الصنع، كما اعترضت وحدات مكافحة الإرهاب في عدن أطقم طائرات مسيرة على متن سفينة كانت في طريقها إلى الحوثيين.
وقد اتهمت وزارة الخارجية الأمريكية الصين مرارًا وتكرارًا بدعم هجمات الحوثيين وإمدادها بأسلحة وأجهزة عسكرية متطورة.
ويضيف ذلك بُعدًا آخر إلى الجدل حول العلاقة بين المصالح الاقتصادية الصينية والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج في المنطقة.
4.3 الرد الصيني على الاتهامات
ردت الصين على الاتهامات الموجهة إليها من قبل المندوب الأمريكي في مجلس الأمن في 14 يوليو 2026 بأسلوب حاد، واعتبرتها غير صحيحة وأنها تفتقر إلى المصداقية.
وشدد السفير الصيني في المجلس على أن دولته تلتزم بالمجلس، وأنها تتبع وبصرامة نهجًا حذرًا في تصدير الأسلحة ذات الاستخدام المتعدد.
ويعكس هذا الرد تمسك بكين بموقفها الرسمي الرافض للاتهامات، مع تأكيدها على اتباع نهج حذر في التعامل مع صادرات الأسلحة والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج.
خامسًا: الموقف في مجلس الأمن – الامتناع عن التصويت واستمرارية الموقف
5.1 الامتناع عن التصويت
امتنعت الصين وروسيا عن التصويت في 15 يناير 2026 على قرار اعتمده المجلس، يقضي بتمديد إلزامية رفع تقارير شهرية بشأن الهجمات الحوثية في البحر الأحمر، وكرر المجلس هذا التمديد في 14 يوليو.
في 15 يناير 2026، اعتمد مجلس الأمن قرارًا يقضي بتمديد إلزامية رفع تقارير شهرية بشأن هجمات الحوثيين في البحر الأحمر. وحصل مشروع القرار على 13 صوتًا، مع امتناع كل من روسيا والصين عن التصويت. وكرر مجلس الأمن تمديد هذه الآلية في 14 يوليو 2026، مع امتناع الصين وروسيا مرة أخرى.
ومع تكرار الامتناع، تبدو المقاربة الصينية قائمة على المشاركة في آليات مجلس الأمن، مع التحفظ على المسارات التي ترى بكين أنها قد تُستخدم لتبرير إجراءات عسكرية أو تصعيدية ضد اليمن.
5.2 الموقف المبدئي
استند الموقف الصيني إلى ركائز أساسية، أوضحها نائب مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة سون لي في بيانه التفسيري:
أولًا: رفض إساءة استخدام القرارات. أعربت الصين عن أسفها لأن بعض الدول، عقب اعتماد القرار 2722 في يناير 2024، أقدمت على أعمال عسكرية ضد اليمن، مما قوّض بشدة عملية السلام اليمنية وفاقم المخاطر الأمنية في البحر الأحمر. وأكدت الصين أن قرارات مجلس الأمن لا ينبغي إساءة تفسيرها أو إساءة استخدامها، وأنه يجب الالتزام الصارم بميثاق الأمم المتحدة.
ثانيًا: احترام سيادة اليمن. شددت الصين على ضرورة الاحترام الكامل لسيادة اليمن وأمنه ووحدته وسلامة أراضيه.
ثالثًا: الربط مع الصراع في غزة. أكدت الصين أن الوضع في اليمن والبحر الأحمر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالصراع في غزة. ودعت إلى التنفيذ الكامل للمرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، والتحقق الفعلي من وقف إطلاق نار دائم في غزة، والتنفيذ المبكر لحل الدولتين، وكان هذا قرارًا حاسمًا من قرارات الأمم المتحدة يخص القضية الفلسطينية.
وتكشف هذه الركائز أن الموقف الصيني في مجلس الأمن لا ينفصل عن رؤيتها الأوسع لأزمات المنطقة، إذ تربط بكين أمن البحر الأحمر بالتطورات في اليمن وغزة، وتضع احترام السيادة وعدم التصعيد ضمن الإطار الذي تتحرك من خلاله دبلوماسيًا.
سادسًا: الحوثيون وفرض الرسوم – بين النفي والتطبيق
6.1 تقارير عن دراسة فرض رسوم
في 29 يوليو 2026، نقلت وكالة رويترز عن مصادر إقليمية مطلعة أن جماعة الحوثي تدرس فرض رسوم على السفن التجارية التي تعبر جنوب البحر الأحمر. وأوضحت المصادر أن الجماعة تبحث آلية لفرض رسوم على معظم السفن المارة عبر مضيق باب المندب، في خطوة قد تضيف أعباء جديدة على حركة الملاحة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ولكن في 1 أغسطس 2026، نفت الجماعة الحوثية هذه التقارير بشكل رسمي، وأوضحت أنها لم تتخذ قرارًا بعد بخصوص فرض رسوم على باب المندب والبحر الأحمر مقابل العبور.
وأشار البيان إلى أن الخدمات التي يقدمها مركز تنسيق العمليات الإنسانية، ومن ضمنها خدمة «العبور الآمن» للسفن، هي «خدمة مجانية واختيارية» تقدم للسفن أو الشركات التي تقع خارج نطاق الحظر المعلن، والتي تريد تأكيد العبور الآمن لسفنها.
ودعا المركز شركات الشحن إلى عدم دفع أي مبالغ أو تقديم أي بيانات إلى أي أشخاص أو جهات غير مخولة.
وبينما تعكس التقارير المتضاربة حالة عدم اليقين التي تحيط بمستقبل الملاحة في باب المندب، فإن احتمال فرض رسوم، في حال تطبيقه، سيضيف بُعدًا اقتصاديًا جديدًا إلى المخاطر الأمنية القائمة، ويزيد من تعقيد حسابات شركات النقل والطاقة.
خاتمة
فالصراع بين القوى التاريخية والواعدة على الممرات الاستراتيجية لتأمين مصادر الطاقة والمواد الأساسية وبناء اقتصاداتها بصورة آمنة يمثل تحولًا ديناميكيًا في موازين القوى، قد يعيد رسم خريطة النفوذ ومسارات صناعة القرار العالمي سياسيًا وعسكريًا.
وتعكس هذه المقاربة استراتيجية صينية تقوم على إدارة المخاطر وحماية تدفقات التجارة والطاقة، مع تنويع مسارات الإمداد والحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة، بما يتيح لبكين توسيع هامش المناورة وحماية مصالحها في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، دون الانخراط المباشر في الصراع.













