مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
تستأنف في العاصمة الصومالية مقديشو، غدًا الاثنين 20 يوليو، جولة جديدة من المحادثات بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وقوى المعارضة، برعاية تركية، في مسعى للتوصل إلى تفاهم سياسي شامل بشأن مسار الانتخابات المقبلة وآليات تنظيمها، في ظل استمرار الخلافات حول عدد من القضايا المرتبطة بالعملية الانتخابية والدستورية. وتأتي هذه الجولة في مرحلة سياسية دقيقة تمر بها الصومال، وسط حاجة متزايدة إلى بناء توافق وطني يضمن استقرار المسار الديمقراطي، ويعزز الثقة بين مختلف القوى السياسية، ويفتح الطريق أمام تنظيم انتخابات تحظى بقبول أوسع.
وتجمع الجولة الجديدة ممثلين عن الحكومة الفيدرالية وثلاثة تكتلات معارضة رئيسية، هي مجلس المستقبل، ومجلس الوحدة الوطنية، وتحالف السلام والازدهار، حيث تسعى الأطراف المشاركة إلى استكمال النقاشات التي بدأت خلال اللقاءات السابقة، والعمل على تقريب وجهات النظر بشأن الملفات السياسية الأساسية. ويأمل المشاركون أن تسهم هذه المحادثات في وضع إطار مشترك للعملية الانتخابية المقبلة، بما يساعد على تجاوز الخلافات القائمة، ويعزز مبدأ الحوار باعتباره الوسيلة الأمثل لمعالجة القضايا الوطنية الكبرى.
وتأتي هذه المحادثات استكمالًا للجولة السابقة التي عقدت في 9 يوليو الجاري، والتي عرض خلالها كل من الحكومة والمعارضة رؤيته بشأن شكل الانتخابات المقبلة ومستقبل العملية السياسية. ورغم أن اللقاءات السابقة شكلت خطوة مهمة نحو إعادة التواصل بين الطرفين، فإن عددًا من القضايا الجوهرية لا تزال تمثل نقاط خلاف، من بينها طبيعة النظام الانتخابي، وآليات إدارة العملية الانتخابية، والضمانات المطلوبة لضمان نزاهتها وشفافيتها.
وأكد مسؤول حكومي مشارك في المفاوضات استعداد الحكومة الفيدرالية لاستئناف الحوار، مشددًا على أن مستقبل الصومال وإرادة شعبها يمثلان أولوية وطنية لا يمكن التهاون بشأنها. وأوضح المسؤول أن الحكومة تدخل هذه الجولة بروح إيجابية ورغبة في الوصول إلى تفاهمات تخدم المصلحة العامة، معربًا عن أمله في أن تتمكن المعارضة من استكمال مشاوراتها الداخلية والوصول إلى موقف موحد يساعد على دفع المفاوضات نحو نتائج عملية.
وتتركز أبرز نقاط الخلاف بين الجانبين حول استكمال خارطة الطريق الدستورية التي أقرتها الحكومة في مارس الماضي، حيث ترى الحكومة أن استكمال المسار الدستوري يمثل خطوة أساسية لتنظيم الانتخابات المقبلة وفق رؤية واضحة، بينما تطالب قوى المعارضة بمزيد من التوافق حول التفاصيل والآليات التي ستنظم المرحلة الانتخابية القادمة. كما لم تقدم المعارضة حتى الآن تصورًا رسميًا موحدًا بشأن بعض جوانب استكمال العملية الدستورية، وهو ما يجعل هذا الملف من أبرز القضايا التي ستناقش خلال الجولة الجديدة.
كما يبرز الخلاف حول نطاق الانتخابات المقبلة كأحد الملفات الرئيسية المطروحة على طاولة الحوار، إذ ترى بعض القوى المعارضة ضرورة تنظيم الانتخابات في مناطق أو مدن محددة، بينما تؤكد الحكومة وأطراف سياسية أخرى أهمية أن تشمل العملية الانتخابية مختلف أنحاء الصومال، وفق نظام يقوم على مبدأ “صوت واحد لكل مواطن”، باعتباره خطوة نحو توسيع المشاركة الشعبية وتعزيز شرعية المؤسسات المنتخبة.
ويمثل شكل الإدارة الانتخابية محورًا آخر من محاور النقاش بين الطرفين، حيث اقترحت بعض القوى المعارضة إنشاء لجان انتخابية منفصلة على المستوى الفيدرالي ومستوى الولايات، في حين تتمسك الحكومة بوجود لجنة انتخابية وطنية موحدة تتولى الإشراف على العملية الانتخابية في جميع أنحاء البلاد. وترى الحكومة أن وجود مؤسسة انتخابية مركزية يمكن أن يسهم في توحيد المعايير والإجراءات، وضمان قدر أكبر من التنسيق والشفافية خلال مراحل العملية الانتخابية المختلفة.
ويرى مراقبون أن استئناف الحوار بين الحكومة والمعارضة يمثل فرصة مهمة أمام الصومال لتجاوز حالة الجمود السياسي التي رافقت النقاشات الانتخابية خلال الفترة الماضية، مؤكدين أن نجاح هذه الجولة يتطلب قدرًا عاليًا من المرونة السياسية، والاستعداد لتقديم تنازلات متبادلة، ووضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية أو المصالح السياسية الضيقة.
وتحظى الوساطة التركية بأهمية خاصة في هذه المرحلة، باعتبارها تسعى إلى توفير بيئة مناسبة للحوار وتقريب المواقف بين الأطراف الصومالية المختلفة. ويأمل المتابعون أن تساعد هذه الوساطة في الوصول إلى صيغة توافقية تضمن استمرار العملية السياسية، وتحافظ على استقرار مؤسسات الدولة، وتدعم انتقالًا ديمقراطيًا سلميًا يعكس تطلعات الشعب الصومالي.
وتأتي هذه المحادثات في وقت تواصل فيه الصومال جهودها لتعزيز مؤسساتها السياسية وترسيخ نظام انتخابي أكثر شمولًا، بعد سنوات من التجارب الانتخابية غير المباشرة التي اتسمت بالتعقيد والخلافات. وتمثل الانتخابات المقبلة محطة مهمة في مسار بناء الدولة، إذ لا ترتبط فقط باختيار ممثلي الشعب، بل بقدرة الصومال على تعزيز ثقافة التوافق السياسي وبناء نظام ديمقراطي أكثر استدامة.
شهدت الصومال خلال السنوات الأخيرة نقاشات واسعة حول إصلاح النظام الانتخابي والانتقال نحو نموذج يقوم على توسيع المشاركة الشعبية المباشرة. وتسعى الحكومة الفيدرالية إلى تنظيم انتخابات تعتمد على مشاركة المواطنين وفق مبدأ الاقتراع المباشر، في حين تطالب قوى المعارضة بضمانات سياسية وقانونية أوسع تضمن نزاهة العملية الانتخابية وتوافق جميع الأطراف عليها.
ويُنظر إلى الحوار الجاري بين الحكومة والمعارضة باعتباره محطة حاسمة في مسيرة الصومال السياسية، حيث إن نجاحه لا يتعلق فقط بشكل الانتخابات المقبلة، وإنما بقدرة البلاد على ترسيخ نهج جديد يقوم على الحوار والتفاهم والشراكة الوطنية. كما يمثل التوصل إلى اتفاق انتخابي شامل فرصة لتعزيز استقرار مؤسسات الدولة، وتوفير بيئة سياسية أكثر أمنًا، وتمهيد الطريق أمام مرحلة جديدة تستند إلى إرادة الشعب ووحدة الصف الوطني.














