مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
في ظل عودة القرصنة البحرية إلى واجهة الاهتمام الأمني في الصومال، صعّدت سلطات بونتلاند موقفها تجاه الجماعات المتورطة في احتجاز السفن وطلب الفديات، مؤكدة تكثيف جهودها لملاحقة المتورطين وتعطيل الشبكات التي تقف وراء هذه الأنشطة، بالتزامن مع تحذيرات من أن دفع الفديات قد يوفر تمويلًا مباشرًا للجماعات الإجرامية ويشجعها على توسيع عملياتها. وفي المقابل، شددت السلطات على ضرورة تجنب أي تحرك عسكري خارج الأطر القانونية قبالة السواحل، لما قد يترتب عليه من تداعيات على أمن الملاحة والسكان والمصالح الاقتصادية في المنطقة.
وقالت وزارة الثروة السمكية والموارد البحرية في بونتلاند، في بيان صدر في 23 أغسطس/آب، إنها تتابع بقلق التطورات الأخيرة المرتبطة بحوادث القرصنة على امتداد الساحل والمياه المحيطة بالولاية، موضحة أن السلطات كثفت الإجراءات الأمنية وعمليات إنفاذ القانون البحري للتعامل مع التهديدات التي قد تستهدف أمن السواحل والممرات البحرية. وأشارت إلى أن المعلومات الأولية المتوافرة لديها تفيد باحتمال محاولة جهات خارجية إعادة تنشيط أفراد وشبكات سبق ارتباطها بأعمال القرصنة عبر حوافز مالية، وهو ما اعتبرته عاملًا قد يسهم في إعادة بناء النشاط الإجرامي البحري.
وأكدت الوزارة أن الأجهزة الأمنية والجهات المختصة تعمل على التحقق من المعلومات المتعلقة بالأفراد والشبكات المشتبه في ارتباطها بالقرصنة، إلى جانب اتخاذ إجراءات تستهدف تفكيك أي شبكات يثبت تورطها في تسهيل العمليات أو تمويلها أو الاستفادة منها. وأوضحت أن الجهات المعنية تلقت توجيهات لتعزيز التنسيق واتخاذ خطوات حاسمة لتعطيل النشاط الإجرامي البحري وردع المتورطين وإحالتهم إلى العدالة، في إطار مساعي حماية السواحل ورفع مستوى قدرة السلطات على فرض القانون في المناطق البحرية التابعة لبونتلاند.
رفض تمويل القرصنة
وفي موقف لافت، دعت الوزارة مالكي السفن ومشغليها وشركات التأمين والأطراف الدولية المعنية إلى تجنب الدخول في مفاوضات مباشرة مع جماعات القرصنة أو دفع الفديات في حال تعرض السفن للاحتجاز. واعتبرت أن الأموال التي تحصل عليها هذه الجماعات مقابل إطلاق السفن أو أفراد أطقمها تمنحها الموارد والحوافز اللازمة للاستمرار، محذرة من أن دفع الفدية في حادثة واحدة قد يشجع على تنفيذ عمليات جديدة ورفع المطالب المالية مستقبلًا.
وربطت الوزارة بين مكافحة القرصنة وتجفيف مصادر تمويلها، مؤكدة أن مواجهة الظاهرة لا تقتصر على ملاحقة العناصر المنفذة، وإنما تشمل أيضًا ملاحقة الجهات التي توفر التمويل والدعم اللوجستي أو تستفيد من عائدات العمليات. ويعكس هذا الطرح محاولة للتعامل مع القرصنة باعتبارها نشاطًا إجراميًا منظمًا يحتاج إلى إجراءات أمنية وقانونية ومالية متزامنة، وليس مجرد حوادث بحرية منفصلة.
دني يحذر من التصعيد
وفي موازاة موقف الوزارة، حذر زعيم بونتلاند، سعيد عبد الله دني، من التداعيات التي قد تنجم عن أي هجمات تنفذها سفن أو جهات أجنبية قبالة سواحل الولاية، مشيرًا إلى أن تعريض الملاحة البحرية للخطر أو إغلاق البحر أمام السكان قد يفضي إلى نتائج خطيرة على المنطقة. وشدد على أن بونتلاند لا تؤيد انتهاك القانون، مؤكدًا أن ارتكاب أي شخص جريمة لا يبرر التعامل معه خارج الأطر القانونية، وأن المطلوب هو ملاحقة المتورطين واتخاذ الإجراءات اللازمة بحقهم وفق القانون.
وأكد دني أن سلطات بونتلاند ماضية في مواجهة الصوماليين المتورطين في تنظيم أعمال القرصنة، لافتًا إلى أن امتداد الساحل وطبيعته الجغرافية يمثلان تحديًا مستمرًا أمام عمليات الرقابة والسيطرة الأمنية. كما دعا السكان المحليين إلى التعاون مع السلطات، وحث شيوخ العشائر على المساعدة في تحديد المتورطين ومنع استغلال المناطق الساحلية في إعادة تنظيم الأنشطة المرتبطة بالقرصنة.
وتأتي هذه المواقف في وقت تتحدث فيه تقارير محلية عن احتجاز سفن قبالة سواحل بونتلاند ومطالبات بفديات مالية بملايين الدولارات، ما أعاد المخاوف بشأن القرصنة الصومالية إلى دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي. ويضع ذلك السلطات أمام تحدي احتواء أي عودة محتملة لنشاط إجرامي سبق أن تراجع بصورة كبيرة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على سلامة الملاحة التجارية وحماية المجتمعات الساحلية التي تعتمد بدرجة كبيرة على البحر في معيشتها.
ولا تقتصر تداعيات عودة القرصنة على السفن المستهدفة أو طواقمها، إذ يمكن أن تمتد إلى تكاليف التأمين والشحن وحركة التجارة البحرية، فضلًا عن تأثيرها على صورة السواحل الصومالية وقدرتها على جذب الاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد البحري. ومن ثم، فإن احتواء الظاهرة في مراحلها المبكرة يظل أكثر فاعلية من ترك الشبكات الإجرامية تستعيد قدراتها وتوسع نطاق عملياتها.
استجابة متكاملة
وتشير التطورات إلى أن مواجهة القرصنة تتطلب استجابة تتجاوز الإجراءات الأمنية المباشرة، لتشمل تعزيز قدرات إنفاذ القانون البحري، وتطوير أنظمة المراقبة والإنذار، وملاحقة مصادر التمويل، ورفع مستوى التنسيق مع شركات الشحن والتأمين والدول المعنية بأمن الملاحة. كما أن إشراك المجتمعات الساحلية وشيوخ العشائر في جهود الوقاية والإبلاغ يمكن أن يعزز قدرة السلطات على رصد الأنشطة المشبوهة قبل تحولها إلى عمليات منظمة.
وفي الجانب الاقتصادي والاجتماعي، تظل معالجة الظروف التي يمكن أن تستغلها الشبكات الإجرامية في تجنيد الأفراد أو توفير الدعم المحلي جزءًا مهمًا من الاستجابة طويلة الأمد. فتعزيز فرص العمل، ودعم الصيد المشروع، وتحسين الخدمات الأساسية، وتقوية حضور المؤسسات الرسمية في المناطق الساحلية، كلها عوامل يمكن أن تساعد في الحد من قدرة الجماعات الإجرامية على بناء شبكات محلية داعمة لنشاطها.
يذكر أن السواحل الصومالية شهدت خلال العقدين الماضيين موجة واسعة من عمليات القرصنة واختطاف السفن واحتجاز أطقمها مقابل فديات مالية كبيرة، قبل أن يؤدي التعاون الدولي والعمليات البحرية وتعزيز إجراءات حماية السفن إلى تراجع ملحوظ في هذه الهجمات. غير أن ظهور مؤشرات جديدة على نشاط القرصنة يعيد إلى الواجهة مخاطر إعادة بناء الشبكات الإجرامية لقدراتها، خاصة إذا وجدت مصادر تمويل قادرة على دعم عملياتها أو استفادت من الثغرات الأمنية والاقتصادية في بعض المناطق الساحلية. وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة وطنية متكاملة لا تكتفي بالملاحقة الأمنية، بل تربط بين إنفاذ القانون وتجفيف مصادر التمويل وتعزيز الأمن البحري والتعاون الإقليمي والدولي، بالتوازي مع دعم المجتمعات الساحلية وتحسين فرصها الاقتصادية، مع ضمان أن تتم أي عمليات لمكافحة القرصنة ضمن الأطر القانونية وبما يحمي السكان والملاحة والتجارة، حتى لا تتحول عودة النشاط الإجرامي إلى أزمة بحرية أوسع تهدد المصالح الصومالية والدولية في آن واحد.














