مقديشو – وكالة الرؤية الصومالية للأنباء (صوفنا)
أعاد اعتقال المتهم الصومالي عبد الكريم عبد الله إيدلي في العاصمة مقديشو ملف الاحتيال على أموال المساعدات الأمريكية خلال جائحة كورونا إلى الواجهة، وسط تعقيدات قانونية ودبلوماسية قد تحدد مصير الخطوة المقبلة، في ظل مطالبة الولايات المتحدة بمحاكمته على خلفية اتهامات مرتبطة بقضية مالية ضخمة، مقابل تحديات قانونية تواجه عملية تسليمه من الأراضي الصومالية.
وكانت السلطات الأمنية الصومالية قد أوقفت إيدلي في الخامس والعشرين من يونيو الماضي بمنطقة غرس بلي في مقديشو، بعد سنوات من ملاحقته من قبل السلطات الأمريكية، التي تعتبره أحد أبرز المطلوبين في قضية برنامج “إطعام مستقبلنا”، وهو البرنامج الذي خُصص لتوفير وجبات غذائية للأطفال من الأسر محدودة الدخل خلال أزمة فيروس كورونا.
وتتهم وزارة العدل الأمريكية إيدلي بالضلوع في مخطط احتيالي واسع استهدف ملايين الدولارات من الأموال الفيدرالية المخصصة للمساعدات الغذائية، مشيرة إلى أن القضية تُعد من أكبر ملفات الاحتيال المرتبطة ببرامج الإغاثة الأمريكية خلال فترة الجائحة. وتشمل الاتهامات المعلنة بحقه الاحتيال الإلكتروني، والتآمر، وغسل الأموال، والاستفادة غير المشروعة من الأموال العامة.
ورغم إشادة واشنطن بالتعاون الأمني الذي أسفر عن اعتقال المتهم، فإن نقله إلى الولايات المتحدة لمباشرة المحاكمة يواجه عقبات قانونية، في مقدمتها عدم وجود اتفاقية تسليم مطلوبين بين الصومال والولايات المتحدة. كما أن القوانين الصومالية تضع قيودًا على تسليم المتهمين إلى دول أخرى، ما يجعل أي خطوة مقبلة بحاجة إلى دراسة قانونية دقيقة وتنسيق رسمي بين الجانبين.
وتسعى الولايات المتحدة إلى استكمال الإجراءات القضائية بحق إيدلي باعتباره أحد العناصر المهمة في القضية، في حين تواجه السلطات الصومالية موقفًا حساسًا يتعلق بالموازنة بين التعاون مع شريك دولي رئيسي واحترام النظام القانوني الوطني. ويرى مراقبون أن الملف قد يتحول إلى اختبار لطبيعة التعاون القضائي بين مقديشو وواشنطن في القضايا العابرة للحدود.
وفي الداخل الصومالي، أثار اعتقال إيدلي نقاشًا حول مكان محاكمته والجهة القضائية المختصة بالنظر في القضية، حيث يطالب مؤيدوه بأن تتم محاكمته داخل الصومال، مؤكدين أن وجوده في البلاد يمنح القضاء الوطني حق التعامل مع الملف. بينما يرى آخرون أن التعاون مع الولايات المتحدة قد يعكس التزام الصومال بمكافحة الجرائم المالية وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي.
وامتدت تداعيات القضية إلى الجالية الصومالية في الولايات المتحدة، التي أكدت قياداتها ضرورة عدم تحميل المجتمع الصومالي بأكمله مسؤولية أفعال فردية، مشددة على أن المساءلة يجب أن تكون وفق القانون وبعيدًا عن أي خطابات تستهدف الهوية أو الانتماء.
ويأتي هذا الملف في وقت تشهد فيه العلاقات الصومالية الأمريكية تعاونًا واسعًا في المجالات الأمنية والسياسية، حيث تعتمد واشنطن ومقديشو على شراكة استراتيجية تشمل مكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار وبناء مؤسسات الدولة. ويرى محللون أن كيفية إدارة قضية إيدلي ستعطي مؤشرًا على قدرة البلدين على التعامل مع الملفات الحساسة ضمن إطار قانوني يحفظ المصالح المشتركة.
تتجاوز قضية عبد الكريم عبد الله إيدلي حدود اتهام جنائي فردي، لتصبح اختبارًا عمليًا لآليات التعاون القضائي بين الدول في عصر الجرائم المالية العابرة للحدود. فبينما تسعى الولايات المتحدة إلى محاسبة المتهمين في واحدة من أكبر قضايا الاحتيال المرتبطة بمساعدات كورونا، تواجه الصومال تحدي إدارة الملف بما يحافظ على سيادتها القانونية والتزاماتها الدولية في آن واحد. ومن شأن التوصل إلى معالجة قانونية متوازنة أن يعزز التعاون بين البلدين، ويضع أساسًا أكثر وضوحًا للتعامل مع قضايا مماثلة مستقبلًا.














